منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في 15 إبريل/نيسان 2023، ظل السؤال الأساسي يراوح مكانه: من أطلق الرصاصة الأولى؟
الحرب التي اجتاحت البلاد لم تمنح السودانيين فرصة لالتقاط أنفاسهم، أو لطرح أسئلة حول من أشعل النار فوق رؤوسهم وأجبرهم على النزوح والتشرّد واللجوء.
في المقابل، غاصت القوى السياسية في حساباتها الضيقة، تتكسب من الرماد السياسي بدلًا من الاستماع إلى نداءات الشارع المنهك.
بدل توحيد الصفوف لمواجهة الخطر الوجودي، انقسم الناس بين من يدعم الحرب دفاعًا عن طرف، ومن يعارضها فيُتّهم بالانحياز للآخر.
وهكذا تحولت مأساة الوطن إلى معادلة حزبية باردة، ضاع فيها الدم والإنسان بين التجاذبات والمصالح.
ورغم المبادرات المتكررة لوقف القتال، فإنها ظلّت خجولة وافتقرت إلى الثقة بين الأطراف المتحاربة.
وبينما كانت البيانات تُصدر من العواصم البعيدة، كانت مدينة الفاشر -قلب دارفور- تختنق تحت وطأة القتال والحصار، وتتحول من عاصمة إقليمية ذات رمزية سياسية وثقافية إلى ساحة مفتوحة للصراع المسلح.
540 يومًا من المعاناة
شهدت الفاشر تصعيدًا متسارعًا قبل سقوطها، حيث بدأت قوات الدعم السريع حصار المدينة في مايو/أيار 2024.
استمر الحصار نحو 540 يومًا، قُطعت خلالها خطوط الإمداد الغذائي والطبي، وقيّدت حركة المدنيين بشكل كامل، مما أدى إلى تدهور الوضع الإنساني إلى مستويات كارثية.
خلال هذه الفترة، اندلعت اشتباكات مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في المحاور الرئيسية المحيطة بالمدينة، ترافق ذلك مع قصف مدفعي وجوي أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية ونزوح عشرات الآلاف من السكان داخل وخارج المدينة.
ومع استمرار الحصار، بلغت مستويات المجاعة ذروتها، واضطر السكان إلى الاعتماد على أعلاف الحيوانات والحبوب المدجنة، وتوقفت معظم الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء ورعاية طبية.
سقوط المدينة والانتهاكات
في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مقر اللواء السادس مشاة، وهو نقطة محورية في قلب الفاشر، ليكون هذا اليوم يوم سقوط المدينة.
وأكد الجيش السوداني انسحابه الكامل في 28 أكتوبر.
عقب السقوط، وثّقت تقارير متعددة -من منظمات دولية ومحلية- انتهاكات واسعة شملت الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري، ونهب الممتلكات، بالإضافة إلى استهداف الأحياء السكنية والمستشفيات ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
تحولت الفاشر بذلك إلى مدينة منكوبة تحمل آثارًا إنسانية واجتماعية كارثية على سكانها.
السياسة والحسم العسكري
مع إعلان الدعم السريع سيطرته على المدينة، ارتفعت الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية.
لكن الجيش، بعد فقدانه آخر معاقله الكبرى في الإقليم، رأى في الحسم العسكري ضرورة لا بد منها، معتبرًا أن أي اتفاق جديد يمنح الدعم السريع شرعية، أمر مرفوض.
في المقابل، استغل الدعم السريع انتصاره الميداني كورقة ضغط لتعزيز موقفه السياسي أمام المجتمع الدولي.
أما القوى السياسية التي طالما رفعت شعار “لا للحرب”، فظل موقفها محصورًا في الدعوات إلى اتفاق هش فوق جماجم الضحايا، دون تقديم رؤية جادة لمعالجة جذور الأزمة أو ضمان عدالة الانتقال السياسي القادم.
هل الإدانات تكفي؟
اليوم، ومع تصاعد الإدانات الدولية لانتهاكات الفاشر، يطرح السؤال الجوهري نفسه:
هل ما زال هناك أفق لوقف إطلاق النار وعودة الدعم السريع إلى المشهدين العسكري والسياسي؟
أم أن ما حدث في الفاشر كان القشة التي قصمت ظهر أي تسوية ممكنة، وجعل خيار الحسم العسكري الطريق الوحيد على الطاولة؟
في واقع تتقاطع فيه البنادق وتضيع فيه البوصلة، يبدو أن السودان، المنهك بالحرب والتجاذبات، يقترب أكثر من لحظة الحقيقة:
إما سلام عادل ينهي جذور الصراع، أو حرب طويلة تلتهم ما تبقّى من البلاد.
السودان اليوم على مفترق طرق، يتعيّن على كل الأطراف أن تختار بين بناء سلام شامل يوقف نزيف الدم، أو الانجرار نحو صراع مستمر يبتلع المستقبل.
التاريخ لن يرحم من يضيّع الفرص، والفاشر ستظل رمزًا للدرس الذي لم يُستفد منه بعد.

