تقدّم الدعم السريع نحو إقليم كردفان.. هل يمهّد لواقع سياسي جديد في السودان؟

يشهد إقليم كردفان، الذي يضم ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، تصاعداً لافتاً في حدة العمليات العسكرية بين الجيش السوداني والدعم السريع، في مرحلة تُعد من بين الأكثر سخونة منذ انتقال المعارك من ولايات دارفور غرب البلاد نحو عمق الإقليم.
وتتركز المواجهات في محاور (بابنوسة، وأم سيالة، والرهد، وأمدام حاج أحمد) وسط غياب أي تغيّر حاسم في خريطة السيطرة على الأرض، بالنسبة للجيش والدعم السريع.
وتحمل مناطق مثل بابنوسة وزناً استراتيجياً لارتباطها بشبكات الطرق وطرق الإمداد وقربها من حقول النفط، فيما تبقى مدينة الأبيّض مركز الثقل الإداري والاقتصادي لكردفان، ما يجعل محيطها مسرحاً لتحركات عسكرية مكثفة من الطرفين بهدف تغيير ميزان السيطرة أو منع تغيّره.
ومع تسارع التطورات، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن ما إذا كان تقدّم قوات الدعم السريع في بعض المحاور يمثل بداية لواقع سياسي أو إداري جديد في الإقليم، أم أن ما يحدث لا يتجاوز كونه فصلاً، ضمن مسار صراع طويل لم يستقر بعد.

“تشتيت قدرات الجيش السوداني”
الخبير العسكري اللواء أمين مجذوب قال للجزيرة مباشر إن عمليات الدعم السريع في كردفان تهدف بالأساس إلى تشتيت قدرات الجيش السوداني وإبطاء تحركاته نحو دارفور، ويشير إلى أن البيئة الاجتماعية في كردفان “أقل احتضاناً” لقوات الدعم السريع مقارنة بدارفور، ما يجعل تمددها أمراً صعباً.
ويعتبر مجذوب أن التفوق الجوي للجيش يلعب دوراً حاسماً في الحد من قدرة الدعم السريع على المناورة والتمركز، متوقعاً أن تبقى مكاسب الدعم السريع “موضعية ومحدودة زمنياً” داخل الإقليم.
إضعاف قدرات الدعم السريع
من جانبه قال العقيد ركن يوسف حسب الدائم، من قوات درع السودان، للجزيرة مباشر إن المواجهات في محور أم سيالة في 17 نوفمبر “أضعفت قدرات الدعم السريع في شمال كردفان”، على حد تعبيره، موضحاً أن مجموعات من الدعم السريع جرى سحبها لإعادة التنظيم.
وأضاف أن القوات المتحالفة مع الجيش تحركت لاحقاً نحو مواقع غرب بابنوسة وبالقرب من مدينة الخوي، مؤكداً أن المعارك أثّرت على وحدات أساسية في مناورة وإسناد قوات الدعم السريع.
وقال مصطفى محمد إبراهيم، مستشار قائد قوات الدعم السريع، للجزيرة مباشر إن قوات الدعم السريع تقدمت بالفعل في محاور محيطة بالأبيض وبارا وأم سيالة، مشيراً إلى أنها ألحقت خسائر بالقوات الحكومية والمتحالفة معها.

“رفض الجيش للهدنة”
ونفى مصطفى محمد إبراهيم وجود أي مخاوف من تحركات الجيش، مؤكداً أن الهدف الحالي هو “تأمين محيط بابنوسة”، وأن تصعيد العمليات جاء بعد ما وصفه بـ”رفض الجيش للهدنة”، مؤكداً أن وضع قوات الدعم السريع “مستقر ومتقدم”.
وثمّن آدم حسبو، نائب رئيس حركة العدل والمساواة المتحالف مع الدعم السريع، إعلان الهدنة من جانب الدعم السريع، ووصف هذه الخطوة بأنها “جريئة ووطنية وصادقة” وتعكس رغبة واضحة في إنهاء الحرب. وأكد أن مناطق سيطرة الحكومة المعلنة من جانب الدعم السريع والقوات المتحالفة معه في دارفور وأجزاء من كردفان تشهد قدراً من الهدوء.
وتوقع أن تسهم الهدنة التي أعلنها الدعم السريع – إذا قبلها الجيش السوداني – في توسيع هذا الاستقرار، على حد قوله.
الموافقة على هدنة أم مناورة؟
وأعلن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” موافقته على هدنة إنسانية تشمل وقف الأعمال العدائية لمدة 3 أشهر، مشيرا إلى أنها تأتي استجابة لجهود دولية، أبرزها مبادرة الرباعية ومساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن الحكومة السودانية ردت على إعلان حميدتي بشأن الهدنة الإنسانية، بأنه “مناورة سياسية مكشوفة، تتناقض بشكل صارخ مع الواقع المرير الذي ارتكبته قواته على الأرض”.
وقال وزير الإعلام السوداني خالد الإعيسر، على فيسبوك، إن خطاب حميدتي “مضلل ولا يمكن التعويل عليه”، ويمثل محاولة “لخداع المجتمع الدولي”. وأشار الوزير إلى أن اتفاقات جدة السابقة أثبتت، على حد وصفه، أن الدعم السريع استغل الهدن “لتمرير الإمدادات وتعزيز المكاسب العسكرية”.
ورغم إعلان الدعم السريع الهدنة، لا تزال تقارير المنظمات الدولية تتحدث عن استمرار الانتهاكات، بما في ذلك القصف الجوي والمعارك في كردفان ودارفور.
واتهمت منظمة العفو الدولية (الثلاثاء) قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين في السودان، وخصوصا في مدينة الفاشر، وقالت إن شهادات الناجين تفيد بحدوث فظائع من بينها القتل والاغتصاب.
وقالت الأمين العام لمنظمة العفو الدولية أنييس كالامار: “ينبغي على العالم ألا يغض الطرف بينما ترد المعلومات عن هجوم الدعم السريع على الفاشر”، مشيرة إلى أن شهادات الناجين تفيد بوقوع “أهوال لا يمكن تخيلها”.
مشهد مفتوح:
ويبقى المشهد في كردفان مفتوحاً على جميع الاحتمالات، في ظل تقدم قوات الدعم السريع في بعض المحاور، مقابل إعلان الجيش وحلفائه عن تحقيق مكاسب في محاور أخرى، دون سيطرة كاملة لأي طرف.
وبينما ترى قوات الدعم السريع أن التطورات الحالية تمثل تحولاً في ميزان القوة، يعتبر محللون مقربون من الجيش السوداني أن ما يجري هو جزء من “دورة استنزاف طويلة” لم تصل بعد إلى نهايتها.
وفي غياب مؤشرات حاسمة، تبقى الأسئلة مطروحة حول ما إذا كان الإقليم يتجه نحو واقع سياسي جديد إذا ما سيطر الدعم السريع على كردفان، ما قد يؤدي إلى تقسيم جديد للسودان، أم أن ما يحدث لا يزال مجرد فصل إضافي في صراع ممتد ومعقد.