هل انتهى حلم “كليات القمة”؟ شباب مصر يبحث عن النجاح في أماكن أخرى

داخل أروقة إحدى الجامعات الخاصة بمدينة أكتوبر جنوب غرب القاهرة يسارع آلاف الطلاب من خريجي الثانوية العامة لتقديم أوراق الالتحاق بالكليات المختلفة رغم المصروفات المرتفعة، وسط جدل ونقاش يسمع بوضوح بين الطلاب وأولياء أمورهم بشأن الدراسة الجامعية.
يحاول طبيب الأسنان حسان الدويك، حجز مكان لابنه الذي حصل على مجموع 85% ليكمل مسيرته كما يقول للجزيرة مباشر، موضحا أنه سيتحمل المصروفات الباهظة لتعويض فارق الدرجات الذي تتطلبه الدراسة بالجامعات الحكومية.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2نتيجة الثانوية العامة 2025 في مصر.. إليك الرابط وطريقة حساب النسبة المئوية خطوة بخطوة
- list 2 of 2ثانوية “برأسين”.. نظام تعليمي جديد يربك الأسرة المصرية
لكن لا يبدو الابن حازم متحمسا لرغبة أبيه قائلا إنه يفضل مجال تكنولوجيا الحاسبات “فهي مطلوبة أكثر لسوق العمل”. ويرى حازم أنه بذل أقصى ما يستطيع، لكن نظام الامتحانات والتعديل المستمر للمناهج أربك خططه.
وقال أحمد سمير، الحاصل على 90%، ويأمل دراسة الطب، للجزيرة مباشر إن دراسة الصيدلة قد تفتح له بابا لتجارة الأدوية طبقا لمشروع يدرسه حاليا مع أسرته.
ويثمّن الخبير السابق بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم، خالد نصار، تفهم الأجيال الجديدة لاحتياجات سوق العمل وتكيفها مع ثقافة جديدة لا تعتبر الثانوية العامة محطة مصيرية. ويرى في حديثه للجزيرة مباشر أن ذلك يمثل نجاحا لاستراتيجية الحكومة بالقضاء على “شبح الثانوية العامة”.
ورفض نصار الاتهامات الموجهة لوزارة التعليم بالتأثير سلبا في دراسة الطب والصيدلة والعلاج الطبيعي وتوجيه الاهتمام إلى قطاعات أخرى على حساب تخصصات يحتاج المجتمع إليها. وأشار إلى حرص وزير التعليم على تأكيد التوسع في مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي، على حد قوله.
“فكر قبل ما تقرر”
في المقابل، أثار نقيب أطباء الأسنان، إيهاب هيكل، تفاعلا واسعا بتأييده دعوة الطلاب إلى التفكير جيدا قبل دراسة الطب “نتيجة اكتظاظ سوق العمل وزيادة أعداد الخريجين، وإصرار الدولة على فتح كليات جديدة رغم اقتناعها بأن سوق العمل مكتظ”.
ونصح هيكل الطلاب بالاختيار حسب طلبات سوق العمل والوظائف الأعلى دخلا، معتبرا أن كليات الذكاء الاصطناعي والحاسبات تأتي في المقدمة تليها الهندسة ببرامجها الحديثة ثم كليات العلوم بأقسام علوم الحاسب والجيولوجيا والبترول ثم علوم الملاحة وكليات التمريض.
وفتح المجلس الأعلى للجامعات تحقيقا مع نقيب أطباء الأسنان بمحافظة الإسكندرية وليد الديب بعد تحذيره الطلاب من دراسة طب الأسنان، معتبرا أن التحذير أثار “لغطًا وبلبلة بما قد يؤثر على استقرار القرار الأكاديمي للطلاب”.
ورد الديب بتصريح صحفي قائلا إنه أراد أن “يتمتع الطالب وأسرته بقدر كافٍ من الوعي بما ينتظر الخريج من فرص التدريب والتوظيف واستكمال الدراسات العليا”.
وتحت عنوان “فكر قبل ما تقرر” جاء تحذير النقابة العامة لأطباء الأسنان للطلاب، التي نشرت إحصاءات تشير إلى ضرورة معالجة الزيادة في أعداد الخريجين ودعت لتخطيط دقيق لبرامج التعليم والتدريب لمواكبة احتياجات السوق.
هل تغيرت معايير النجاح؟
من زاوية أخرى ينظر عدد من الشباب إلى الثانوية بوصفها مرحلة عادية، وتحت وسم “مفيش حاجة اسمها مجموعك يحدد مستقبلك” شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلا واسعا صاحبه نشر السير الذاتية للعديد من كبار رجال الأعمال ممن لم يتفوقوا في الثانوية العامة.
ورأى أستاذ جراحات التجميل مصطفى العسال أن مصطلح كليات القمة بدأ ينتهي، متوقعا في حديثه للجزيرة مباشر أن يشمل الأمر أيضا باقي تخصصات الطب البشري بسبب “سوق العمل”. وحذر العسال من تراجع الاهتمام بتلك التخصصات المهمة للمجتمع بسبب تغير الظروف الاقتصادية.

مفترق طرق
كما اعتبر أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان، وليد عبد الفتاح، أن “ضرب قيمة التفوق” يؤثر سلبا في نمو المجتمع، وقال للجزيرة مباشر إن تغير معايير النجاح “أفرز قيما غريبة ودفع بنجوم الإنترنت والتيك توك إلى صدارة المشهد”.
وأشار إلى أن برامج التطوير بمخرجاتها الحالية تتجاهل آراء خبراء التربية داعيا إلى إعادة النظر في ملف التعليم بشكل شامل للحفاظ على القيم وعدم تحويله إلى سلعة واختزاله في “متطلبات سوق العمل”. وأضاف: “الجيل الحالي أمام مفترق طرق صعب”.

وعلى مدى السنوات الماضية تغير نظام الثانوية عدة مرات، وانتقل النظام من عام واحد رئيسي (الصف الثالث الثانوي) إلى عامين هما الصفان الثاني والثالث الثانوي، ثم عودة النظام القديم واحتساب المجموع لعام واحد فقط، وصولا إلى طرح نظام البكالوريا الجديد، مع استمرار النظام القديم لثلاث سنوات قادمة.
ولا تزال الثانوية تمثل محطة مفصلية شديدة الأهمية في المسار التعليمي للطلاب، وتثير قلق ملايين الأسر المصرية. وبلغ عدد طلاب المرحلة الثانوية بسنواتها الثلاث في العام الدراسي 2023/2024 نحو 2.39 مليون طالب، نحو 79% منهم في المدارس الحكومية.