“عروسة وحصان المولد” يذوبان أمام غلاء الأسعار في مصر

العروس ثقافة متوارثة من العصر الفاطمي بحسب المؤرخين
العروس ثقافة متوارثة من العصر الفاطمي بحسب المؤرخين (الجزيرة مباشر)

تمتلئ شوارع القاهرة بخيام بيع حلوى “المولد” في طقس اعتاد عليه المصريون احتفالا بذكرى مولد الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم-.

لكن مظاهر الاحتفال بدأت تأخذ مسارات متعددة على وقع الوضع الاقتصادي الضاغط، وفقا لما قاله ناصر حنفي، معلم لغة عربية، للجزيرة مباشر، من أمام مجمع ضخم للبيع في حي الظاهر التاريخي، وسط القاهرة.

عشرات الأنواع من الحلوى وأسعار متصاعدة تصيب محدودي الدخل بالصدمة
عشرات الأنواع من الحلوى وأسعار متصاعدة تصيب محدودي الدخل بالصدمة (الجزيرة مباشر)

طقس راسخ رغم الغلاء

ويمضي حنفي، الغاضب من ارتفاع الأسعار، لشراء “حلوى المولد” وإحياء الطقس الاجتماعي بإهداء الحلوى إلى اثنتين من بناته المتزوجات، وباقي أفراد أسرته.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويلتقط سالم عبد الباسط، المدير في مختبر للتحاليل الطبية، طرف الحديث ساخرا من حلوى السكر المُشكَلة على شكل أحصنة وعرائس، والتي ترمز للاحتفال بالذكرى في مصر، قائلا للجزيرة مباشر “سنستبدل عرائس السكر بأخرى بلاستيكية”.

وفاقت أسعار السكر في مصر، 35 جنيها للكيلو غرام الواحد (الدولار يعادل 49 جنيها تقريبا).

سامية المندوه، الموظفة في وزارة الصحة، قالت للجزيرة مباشر إن بيع “حلوى المولد” بالتقسيط من خلال الخصم من الراتب على أكثر من شهر أصبح مألوفا.

الحلوى التي قد يصل ثمنها إلى ألفي جنيه (حوالي 40 دولارا)، ويدفع الأسر البسيطة للتخلي عن الطقس الاحتفالي بشكل مختلف موضحة بأنها قلصت قائمة الشراء، وقد اكتفت سامية مثل كثيرين بأصناف رائجة من “الملبن وأقراص الحمص” بينما اختفت حلوى “العروس والحصان” من القائمة.

أقساط الحلوى

وأفادت الموظفة للجزيرة مباشر، أن سعر علبة الحلوى في بعض الأماكن وسط القاهرة يتجاوز 3 آلاف جنيه (61 دولارا أمريكيا)، بينما تقول إنها كغيرها من محدودي الدخل تشتري علبة من فئة 260 جنيها بوزن 3 كيلو غرامات وبالتقسيط.

وقالت صحف محلية، إن الجمعية التعاونية للعاملين بشركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، عرضت علب حلوى المولد بأسعار مخفضة وبالتقسيط على 4 أشهر، ليس لموظفي الكهرباء فقط، ولكن للمواطنين على أن يتم إضافة قيمتها إلى فواتير الاستهلاك، لكن بعد تقديم صورة من بطاقة الرقم القومي ووثيقة إثبات دخل حديثة.

وأثارت عروض التقسيط على فواتير الكهرباء قدرا من السخرية على مواقع التواصل، وسأل أحمد الطحان، عبر منصة “إكس” شركة الكهرباء إذا كان “قسط حلوى المولد” هو سبب قطع الكهرباء عن منزله.

حلاوة زمان

من جهة ثانية، تحدث أبو حسن صاحب خيمة لبيع الحلوى عن تراجع المبيعات، ويقول للجزيرة مباشر، إن أسعار السكر الخام والمكسرات المستوردة تسبب أزمة متكررة.

ويشير إلى أن المتحكم في الأسعار هم مراكز تصنيع الحلوى التي يقول إنها “تعمل خارج إطار القانون” بعيدا عن الرقابة.

ولفت أبو حسن إلى أن إدارة الحي منحت ترخيصا لخيمة البيع وسمحت له باحتلال جزء من الرصيف مقابل “رسوم باهظة”. وخلص إلى توقع بقرب انتهاء ظاهرة “حلوى المولد” إذا استمر صعود الأسعار.

ويتفق علي المشتولي، صاحب مركز لتصنيع “حلوى المولد” مع تحذيرات التجار من تأثير الأسعار على “هذا الطقس المتوارث”.

التجار يشكون تراجع المبيعات ويلجأون لعروض التقسيط
التجار يشكون تراجع المبيعات ويلجأون لعروض التقسيط (الجزيرة مباشر)

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وأجور العمال ورسوم تفرضها الأجهزة المحلية تضع قيودا إضافية تتحول إلى “سعر المنتج النهائي الذي يدور حاليا حول سعر 140 جنيها للكيلو بالمناطق الشعبية”، بينما يزيد السعر في مناطق أخر إلى أكثر من ألف جنيه.

ويعترف المشتولي باللجوء للعمل بعيدا عن “أعين الأجهزة الحكومية” تفاديا للرسوم والضرائب التي تفرضها الأجهزة المحلية، لكنه ينفي تجاوز الاشتراطات الصحية.

ويخلص إلى القول: شعار “حلاوة زمان عروسة وحصان” لم يعد له وجود.

مكونات وجودة علبة الحلوى تختلف من مكان لآخر حسب تأكيدات المصنعين
مكونات علبة الحلوى وجودتها تختلف من مكان لآخر حسب تأكيدات المصنعين (الجزيرة مباشر)

شبهة عدم الصلاحية

في المقابل، تكشف أجهزة وزارة الداخلية تباعا عن ضبط أطنان من “حلوى المولد” بمصانع غير مرخصة في إطار حملاتها المستمرة لمكافحة الجرائم التموينية ومراقبة الأسواق مع اقتراب “موسم المولد”.

وتحدث بيان الداخلية عن عدم توافر الاشتراطات الصحية والصناعية اللازمة، مع وضع علامات تجارية وهمية على المنتجات، إلى جانب حيازة كميات من الحلوى يُشتبه في عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

ويكشف ماهر زكي، مسؤول بإحدى الحملات الرقابية بوزارة التموين، للجزيرة مباشر، عن تسارع عمليات الضبط والرقابة على أماكن البيع، مشيرا إلى مبادرات لخفض الأسعار تقوم بها مؤسسات حكومية ونشر شوادر بيع تابعة للوزارة.

ويشير زكي إلى استمرار عمليات الغش من جانب بعض مصنعي الحلوى رغم الحملات والمداهمات وأقر بأن حلوى المولد التهمت جزءا كبيرا من مخزون السكر في مصر، لكنه أضاف قائلا “هي أزمة كل عام”.

الحصان المصنوع من الحلوى تحول إلى البلاستيك
الحصان المصنوع من الحلوى تحول إلى البلاستيك (الجزيرة مباشر)

قصة العروسة والحصان

وتعود قصة حلوى المولد إلى العصر الفاطمي في مصر (301 هـ – 567 هـ)، إذ يتحدث مؤرخون عن أن الخليفة يوزع الحلوى على عامة الناس والجنود في ذكرى ميلاد الرسول الكريم لتعزيز الولاء للحاكم ونشر البهجة.

كما استوحى صُنّاع الحلوى من موكب الخليفة وزوجته فكرة صنع “عروسة المولد” و”الحصان” من الحلوى، مما جعلها رمزا تقليديا مرتبطا بالمناسبة فيما تطورت الوصفات والأشكال عبر الزمن لتصبح جزءا راسخا من ثقافة الاحتفال الذي تهب عليه رياح التغيير.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان