عندما تصبح الجريمة سياسة رسمية.. تصعيد يهدد بانفجار المجتمع العربي داخل إسرائيل

سياسة إغراق الداخل الفلسطيني بالعنف تفرض الهجرة على الشباب (الفرنسية)

تصاعدت مؤشرات الجريمة والعنف المسلح خلال عام 2025، لتكمل مسارًا بدأ قبل الحرب على غزة وتفاقم بعدها. فبعدما كان عام 2023 الأكثر دموية على الإطلاق بواقع 244 قتيلًا عربيًّا وفق منظمة “مبادرات إبراهيم”، سجل عام 2024 مقتل 230. ومنذ مطلع العام الجاري حتى صباح 5 سبتمبر/أيلول، قُتل 177 بينهم 18 امرأة، و11 خلال الأسبوع الأخير.

ومع استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة وتوسع الاستيطان بالضفة الغربية، لم تعد لأخبار الجريمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل أولوية رغم تزايدها، وبقيت كما كانت عليه، مجرد حوادث وأرقام تتصاعد دون مساءلة، مما أدى إلى توسع دائرة الاستهداف لتشمل النساء والأطفال والمسنين.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تدفق السلاح وتقاعس الشرطة

ومنذ أكثر من 10 سنوات تتزايد الجرائم دون توقف، إذ أكد رئيس اللجنة الشعبية للأرض والمسكن بوادي عارة بأراضي الـ48 أحمد ملحم تفاقم العنف خلال الحرب التي ما زالت مستمرة، وخلقت أجواءً من الفوضى سهلت الحصول على أسلحة أكثر تطورًا من قبل، مثل المتفجرات والمسيَّرات، وبتغاضٍ تام من الشرطة الإسرائيلية عن هذه الأنشطة الإرهابية”.

وقال ملحم للجزيرة مباشر “الحصول على الأسلحة كان سهلًا في السابق، لكنه الآن وفي ظل الحرب أصبح أكثر سهولة بسبب إمكانية الوصول الى المعسكرات المفتوحة، أو بواسطة الجنود الذين يسهل عليهم نقل الاسلحة من تلك المعسكرات في كل زمان ومكان”.

ومن ضمن الأسباب التي فاقمت الجريمة التي وصفها ملحم “بالقديمة الحديثة”، عدم بذل الأجهزة الأمنية أي جهد للقبض على الجناة، مؤكدًا “عدم وجود تقارير أو إحصاءات موثقة، وتكاد تكون المعطيات التي تملكها فيما يتعلق بتقديم لوائح اتهام صفرًا، بل ويمكن القول إننا متأكدون من مساهمتها في تفاقم الجريمة”.

وبالإضافة إلى عدد القتلى المتزايد نتيجة الجرائم الآخذة في التصاعد، لا توجد جهة رسمية تنشر حصيلة شاملة ومنتظمة لعدد المصابين في جرائم العنف على نحو دقيق، فتقارير “مبادرات إبراهيم” تركّز على الوفيات، بينما تشير خلاصة “A​C​I Task Force” إلى أن “كثيرين آخرين أصيبوا أو تضرروا” من دون أرقام مُجمَّعة.

وأضاف ملحم “هذه الجرائم تندرج تحت رغبة المؤسسة الأمنية في إسرائيل أن يقتل المجتمع العربي نفسه بنفسه، وهو ما يحقق هدف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، لعدائه الواضح للفلسطينيين، إذ يعتبرهم أعداءً لمشروعه الاستيطاني، سواء في غزة أو الضفة أو داخل إسرائيل”.

وربط ملحم الأمر بعنصرية الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي تتضمن وزراء متطرفين مثل بن غفير، لأنه “المسؤول الأول عن أجهزة الشرطة التي تعمل بجدية في أي جريمة تتعلق بالمجتمع اليهودي”.

في المقابل، جرى إلغاء الميزانيات المتعلقة بالقانون رقم 549، الذي صدَّقت عليه الحكومة عام 2021، ويتضمن خطة لمكافحة الجريمة والعنف حتى عام 2026 “لكنه لم يعد يناسب سياستها الساعية لإغراق المجتمع العربي بالعنف”.

من جانبه، قال عضو اللجنة الشعبية في مدينة باقة الغربية خيري إسكندر للجزيرة مباشر “إن ضعف إنفاذ القانون وتسييس الشرطة، إلى جانب تعثّر تنفيذ برامج حكومية مخصَّصة لمكافحة الجريمة في البلدات العربية، خلق فراغًا أمنيًّا استغلته العصابات الإجرامية لتوسيع نشاطها”.

إسرائيل تلغي خطة مكافحة الجريمة وتترك المجتمع العربي للانفجار (الصحافة الإسرائيلية)

الدفع نحو الهجرة

وبيَّن إسكندر أن الجريمة تصاعدت فعليا بعد أكتوبر/تشرين الأول عام 2000 أو ما تُسمى “هبّة أكتوبر” دفاعا عن المسجد الأقصى، وهذا يشير إلى وجود سياسة مبرمجة لإغراق المجتمع العربي بالعنف بجميع أشكاله ثم السكوت عنه والسماح له بالاستفحال، حتى يصبح سمة بارزة للمجتمع، ثم نشر الفوضى واليأس ليصل التفكير بالكثير من الشباب الفلسطيني إلى مغادرة البلاد والهجرة منها، وهو ما يحدث في الواقع”.

وأوضح إسكندر أنه “بعد كل حرب أو هبّة وطنية، يكون مقابلها مزيد من العنف والجريمة بالمجتمع العربي، وهو ما يتضح جليا خلال الحرب الأخيرة على القطاع”.

وفي بداية الحرب على غزة، اعتبر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المجتمع العربي إحدى الجبهات، وهي سياسة أوضحها إسكندر قائلا “اعتبار المجتمع العربي جبهة يعني بالضرورة إشغاله بالجريمة، خوفًا من خروجه للتظاهر والانتصار للشعب والمقدسات”.

وأشار استطلاع رأي، أشرف عليه برنامج للتعاون اليهودي العربي بجامعة تل أبيب، إلى أن الجريمة هي الهم الأبرز لدى الجمهور العربي بنسبة 66.5% “وهذا الشعور العام عامل مهم قد يدفع أفرادًا أو عائلات إلى الهجرة أو التفكير في مغادرة البلاد”.

وتنوعت أساليب الجريمة لتشمل “طرقًا مبتكرة” مثل تفجير السيارات واستخدام أنواع جديدة من الأسلحة مثل القاذفات، واستخدم المجرمون أساليب قديمة جديدة، مثل التنكر بزي الشرطة كما حدث في قرية نحف شمالي إسرائيل، حين ارتدى ملثمان قبعتين شبيهتين بتلك التي يستخدمها أفراد الشرطة، وطرقا باب الضحية الذي فتح الباب ظنًّا منه أنهما من الشرطة، وأطلقا الرصاص عليه مما أدى إلى مقتله على الفور.

تردي الوضع الاقتصادي

وأسهم تردي الوضع الاقتصادي بعد 7 أكتوبر، بخاصة بين فئة الشباب، في تغذية دوائر العنف، الأمر الذي عزز من البيئة الحاضنة التي كانت متوفرة أساسًا قبل الحرب.

وفي هذا السياق، قال عضو اللجنة الشعبية في باقة الغربية إن “سياسات الحكومات التي تمنع إقامة مناطق صناعية في البلدات العربية، ونقص ميزانيات الوزارات أو عدمها بالمقارنة مع المجتمع اليهودي، وظروف الحرب، دفع الشباب إلى البحث عن مصدر سهل للمال من خلال شبكات الإجرام”.

“وتعزز كل هذه الأسباب لدى المواطن الفلسطيني في إسرائيل شعوره بتلاشي قيمته كأقلية مضطهدة في وطنه الأصلي، مع فقدان الثقة بقدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على تفكيك شبكات الإجرام، فالكثير من القطاعات التجارية تعمل تحت التهديد والابتزاز، ما يقلل من حركة الناس في المتاجر والشوارع وتردي الوضع الاقتصادي”.

وعن إمكانية العمل للتقليل من ظاهرة العنف، رأى إسكندر ضرورة بذل جهد مضاعف بسبب عدم وجود تعاون من المستوى الحكومي، من خلال دعوة المجتمع إلى التيقظ ونشر الوعي في المدارس والمؤسسات العامة، والبدء بتفعيل لجان إصلاح للتصدي للخلافات من بدايتها، وبالتالي منع تفاقم المشكلات وتحولها إلى جرائم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان