الإنسانية أولا.. كيف تبقى العلاقة بين الطبيب والمريض سر الشفاء الحقيقي؟

في زمن تتقدم فيه الأجهزة بسرعة مذهلة، وتزدحم غرف الكشف بالشاشات والتحاليل الرقمية، يبقى السؤال الأعمق: هل لا يزال المريض يشعر بأن الطبيب ينظر إليه إنسانا كاملا، لا حالة تحمل رقما وتشخيصا؟

وفي لقائه ببرنامج “مع الحكيم”، أكد اختصاصي الجراحة العامة والمدير الطبي لمستشفى عيادة الدوحة الدكتور محمد عطوة أنه “بدون ثقة، لا علاج يكتمل، ولا خطة تنجح”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأضاف الدكتور عطوة أن “الطب في جوهره مهنة إنسانية. كثير من الناس يلجؤون إلى المعلومات الرقمية، ويخرجون منها أكثر خوفا وارتباكا”، مشددا على أن “الطبيب الحقيقي هو من يشرح ويطمئن، ويعيد الثقة للمريض”.

وأشار إلى أن تجربة المرضى في مستشفى “عيادة الدوحة” تُعَد مثالا عمليا على هذه الرؤية، مضيفا أن كثيرا منهم يقولون إن الطواقم الطبية تتعامل معهم “أسرة” لا “مؤسسة”. هنا تتحول الإنسانية من شعار نظري إلى ممارسة يومية، تظهر في طريقة الاستقبال وسرعة الاستجابة والإحساس الصادق بمعاناة المريض.

كيف تعرف أن المستشفى “آمن” حقا؟

يكثر الحديث عن معايير الجودة والسلامة، لكن التحدي الحقيقي هو كيف يشعر بها المريض في تعامل واقعي ملموس.

يشرح الدكتور عطوة الفكرة قائلا “السلامة لا تقاس فقط بغياب الأخطاء، بل بفهم أسباب النجاح وتطوير السياسات بحيث لا تتكرر الأخطاء أصلا. وعندما يرى المريض تدريبا مستمرا وإجراءات واضحة وعدم تكرار الشكاوى، يدرك أنه في بيئة آمنة”.

والخلاصة أن الجودة هنا ليست وثيقة على الحائط، بل هي نظام يتجدد ويُقيَّم كل يوم.

كيف نكون فريقا لا يُهزم يجمع الطبيب المخضرم والطبيب الشاب؟

هل يمكن للخبرة القديمة أن تتعارض مع التكنولوجيا الحديثة أم أن اندماجهما هو المعادلة الذهبية؟ يقول الدكتور عطوة “التنوع قوة حقيقية، فالطبيب المخضرم يحمل حكمة التجربة وهدوء القرار، بينما يجلب الطبيب الشاب إتقان التكنولوجيا الحديثة والقدرة على توظيف الأدوات الجديدة”، مضيفا أنه “عندما يجتمع الاثنان، يحصل المريض على أفضل ما في الخبرة وما في العلم”.

وأشار إلى أنه بينما يتدرب كبار الأطباء على الأجهزة الجديدة باستمرار، يتعلم الأصغر سنا “فن التعامل مع الحالات النادرة” الذي لا تذكره الكتب كثيرا.

الذكاء الاصطناعي في الطب

مع كل قفزة في قدرات الذكاء الاصطناعي، يتجدد القلق: هل يحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب خلال السنوات القادمة، يؤكد الدكتور عطوة بثقة أن ذلك لن يحدث.

وأوضح “للذكاء الاصطناعي دور جوهري لكنه مساعد، إذ يمكنه قراءة الأشعة بسرعة واقتراح التشخيص وكتابة التقارير وتقليل وقت الانتظار، لكنه لا يفحص المريض بيديه، ولا يشعر بقلقه، وقد يخطئ أو يقدّم معلومات غير دقيقة”.

وأشار الدكتور عطوة إلى أنه يصادف أحيانا مثالا يعكس هذه الفجوة “مرضى خائفون لأن الذكاء الاصطناعي أعطاهم تشخيصا مرعبا، بينما تكون المشكلة بسيطة جدا في الحقيقة”. فالقرار الأخير سيبقى بيد الطبيب، لأنه جزء إنساني لا تُحسنه الخوارزميات.

جراحات المرارة.. من شق كبير إلى خروج من المستشفى في اليوم نفسه

تغيرت جراحة المرارة جذريا خلال سنوات قليلة، ويشرح الدكتور عطوة أن العملية كانت “تعني شقا كبيرا وإقامة طويلة. اليوم نجريها بالمنظار من خلال ثقوب صغيرة، ويعود المريض إلى منزله في اليوم نفسه أو في اليوم التالي. الألم أقل، والتعافي أسرع، والعودة للحياة اليومية تتم خلال أيام قليلة”.

وعن القول الدارج “مرارتي انفجرت من الغضب”، يوضح أن المرارة “لا يمكن أن تنفجر بسبب الانفعال، ولكن الضغط النفسي المستمر قد يسهم على المدى الطويل في تكوُّن الحصوات”.

البواسير والناسور.. مشكلتان مختلفتان لكن أعراضهما متقاربة

ما زالت البواسير والناسور من أكثر الأمراض التي يتحرج الناس من مناقشتها أو زيارة الطبيب بشأنها.

ويوضح الدكتور عطوة أن “البواسير هي أوردة متضخمة، بينما الناسور قناة تنشأ بعد خراج. الأعراض قد تتشابه من نزيف أو ألم، وهذا سبب الالتباس”.

ويشير إلى أن أغلب حالات البواسير يمكن تحسينها دون جراحة عبر:

  • زيادة تناول الألياف.
  • شرب الماء بكميات كافية.
  • تناول فواكه مثل الكيوي والتين والبرقوق.
  • تحسين نمط الحياة.

أما الحالات المتقدمة، فالعلاجات الحديثة مثل الليزر والدباسة والربط صارت أسرع وأقل ألما.

رسالة

وفي نهاية الحوار، لخص الدكتور عطوة فلسفة مهنته بعد عقود من الخبرة، قائلا “التكنولوجيا ستتغير كل يوم، لكن احتياج المريض إلى من يسمعه ويطمئنه ويشاركه خوفه سيبقى ثابتا”، مضيفا “إذا فقدنا هذا الجانب الإنساني فقدنا جوهر الطب، مهما تقدمت الأجهزة والروبوتات”.

وهكذا يتحول مستشفى عيادة الدوحة -ومؤسسات أخرى تحمل القيم نفسها- إلى نموذج يثبت أن الجمع بين ضمير الطبيب القديم وأدوات الطبيب الحديث هو الطريق الحقيقي إلى طب أفضل.

فالشفاء لا يبدأ من العملية، ولا من التقرير، ولا من صورة الأشعة، بل يبدأ من كلمة صادقة، ويد تطمئن، وقلب يفهم قبل أن يشخّص.

أما الأدوات فهي مجرد وسائل تساعد هذه العلاقة الإنسانية على أن تكون أكثر دقة وأمانا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان