في ذكرى رحيل شادية.. مصر تبحث عن “فؤادة” جديدة

Published On 28/11/2018
“في عنيها نار وجنّة وعِند وشِدّة وهوادة.. والبنت من الدهاشنة واسمها فؤادة”، هكذا لخص شاعر العامية المصري عبدالرحمن الأبنودي “مصر الصمود” في شخصية الفنانة الراحلة شادية.
وفي الذكرى الأولى لوفاة “فؤادة” السينما العربية، نلقي الضوء على أبرز الأفلام التي أثرت في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، وحفرت مكانها في قلوب الجماهير على مدار عقود، لتلهم الملايين من أبناء الشعوب العربية الثائرة والمتعطشة للحرية.
“شيء من الخوف”
- هذا الفيلم الذي أنتج عام 1969 للكاتب ثروت أباظة ومن إخراج حسين كمال، الذي اختير من بين أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، جاء معبرًا عن حال مصر تمامًا، واستذكره ثوار يناير في ميدان التحرير كأحد الأفلام الملهمة للثورة على الظلم.
- شادية جسدت ببراعة وصدق شديدين دور البنت الريفية “فؤادة” (ترمز إلى مصر) التي ثارت ضد ظلم “عتريس” (الحاكم المستبد) الذي جسد دوره الفنان الراحل محمود مرسي، في دور من أعظم أدوار شادية التي أثبتت من خلاله جدارتها في التمثيل بنفس إتقانها للغناء، وفق النقاد.
- الفيلم الذي أنتج عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967، اعتبره بعض النقاد رسالة للثورة على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بعد النكسة، وبرز هذا المعنى في مشهد خروج “الدهاشنة” (الشعب) بشعلات النار لحرق منزل عتريس حاملين جثة محمود (ابن أحد الثائرين) وهم يرددون المقولة الشهيرة “جواز (زواج) عتريس من فؤادة باطل”.

- الفيلم الذي اختلف حول رمزيته ما إذا كان يرمز لحكم عبدالناصر أم حكم الملك فاروق، مُنع من العرض حتى أفرج عنه عبدالناصر على اعتبار أنه ليس هو المقصود بشخصية عتريس.
- الفيلم يحكي في رمزيته السياسية كيف تحول عتريس (الحاكم) من شخص مسالم إلى رجل مستبد بناء على وصية جده، وكيف حكم بلدته دون رغبة أهلها وفتك بكل من يخالفه من الدهاشنة (المصريين) بمساعدة رجاله، ما جعل الخوف هو سيد الموقف، وعندما رفضت فؤادة (مصر) الزواج من عتريس أجبرها على حمل لقب زوجته بشهادة زور باطلة.
- لما رفضت أن تسلم له نفسها بدأ الانتقام من الدهاشنة وتعجيزهم في محاولة لإخضاع فؤادة، ولم ينس عتريس كيف جَرُأت فؤادة وفتحت هويس المياه لري الأرض في وقت منع فيه الخوف والعجز الدهاشنة من التحرك لإنقاذ زرعهم وأرضهم من البوار، وكيف صمدت فؤادة تلك الفتاة الضعيفة، حتى أيقظت الدهاشنة وحصلت على الحرية.
نجيب محفوظ وشادية
- شادية قدمت ثلاثة أفلام مأخوذة عن روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ، وهي “اللص والكلاب عام 1962، زقاق المدق عام 1963، ميرامار عام 1969″، وكان محفوظ لا يرى معبرًا عن الشخصيات الثلاثة للبطلة إلا شادية، حتى صرح ذات مرة بأن “شادية عبرت عن الدور أفضل مما كتبت”.

“اللص والكلاب”:
- الفيلم يحكي قصة سعيد مهران (شكري سرحان) الذي تبدلت كل قناعاته بعدما صدم بواقع أليم بداية من خيانة زوجته التي طلبت الطلاق بعد وشاية أدخلته السجن، وتنكر ابنته له، ثم صدمته في صديقه القديم الصحفي رؤوف علوان (كمال الشناوي) الذي بدل جميع ولاءاته وفقا لمصالحه، ولم تنصفه سوى نور (شادية) بائعة الهوى، فقرر الانتقام ممن خذلوه.
- الفيلم يركز على التركيبة النفسية التي ولدت أزمة البطل حين خذله الشرفاء وأنصفته فتاة البغاء، كما ركز على الأقدار المريرة التي كانت تقف دومًا في صف من وصفهم بالـ”الكلاب” خلال رحلة المطاردة، لتخيب كل آماله في تطهير الدنيا من هؤلاء الكلاب (الفاسدين) الموجودين في كل زمان ومكان.

“زقاق المدق”:
- في هذا الفيلم كان دور البطولة فيه للمكان وليس للشخوص، واختصر فيه محفوظ حال مصر في فترة الاحتلال الإنجليزي أثناء الحرب العالمية الثانية، فعكس ملامح وعادات سكان الزقاق بين الفقر والطبقية والسلطة والمال والحرب والجموح.
- شادية مثلت دور “حميدة” البنت اليتيمة التي تربت في الزقاق وتطلعت لحياة أكثر رفاهية وتحررًا فتهرب من خطيبها ويورطها قوّاد محترف في حياة جديدة ضائعة تنسيها أهلها حتى يراها خطيبها السابق بالمصادفة بعد بحث طويل عنها، فيدور في قلبه صراع بين حبه والانتقام لشرفه ويقرر قتل القوّاد لكن رصاصة طائشة تصيب حبيبته فيحملها إلى الزقاق لتموت في نفس المكان الذي خرجت منه.

“ميرامار”:
- الفيلم جسدت فيه شادية دور “زهرة” التي تعمل في بنسيون (فندق صغير) بمدينة الإسكندرية الساحلية بمصر، وتتطلع الفتاة أن ترتقي بحياتها لمكانة أفضل، وضربت زهرة مثالا للمرأة المصرية القوية صاحبة الإرادة والثائرة ضد الجهل.
- البنسيون تديره سيدة يونانية الجنسية ويقيم فيه عدد من الشخصيات المختلفة، ما بين رجل متقاعد وآخر وصولي عابث وعد “زهرة” بالزواج وفي نفس الوقت تعرف بأخرى لأجل مصلحته، وآخرين لكل منهم حكاية وتركيبة نفسية معقدة، تعكس الواقع الاجتماعي في مصر بعد ثورة 23 يوليو/تموز 1952.

“نحن لا نزرع الشوك”
- الفيلم للكاتب الكبير يوسف السباعي، وهو من أكثر الأفلام التي بينت موهبة شادية التمثيلية، وجسد الفيلم الحياة المصرية والأسرية، حين وجدت الطفلة “سيدة” نفسها تعيش مع زوجة أب بعد وفاة الأم، وبعد موت أبيها تتركها المرأة اللعوب لتكبر في بيت غريب وتواجه مصيرا مليئا بالأشواك ولم تحصد الورود أبدًا طوال رحلتها الدرامية.
- دور “سيدة” عكس أهمية دور العائلة للفتاة، وكيف تعرضت سيدة لضغوط كبيرة من مجتمع لا يرحم، وكثيرًا ما نردد اسم الفيلم في مواقف عديدة من حياتنا اليومية بل استخدمها البعض في إسقاطات سياسية بعد تسارع الأحداث بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 على اعتبار أن الشعب المصري “لم يزرع الشوك” ولكنه دائمًا “يحصده”.

أهم فنانة شاملة
- شادية يصنفها العديد من النقاد بأنها أهم فنانة شاملة في تاريخ السينما المصرية، وأطلق عليها “الدلوعة” وأيضًا “معبودة الجماهير”، كان آخر ما قدمته للسينما فيلم “لا تسألني من أنا” عام 1984.
- بعدما غنت “وآدي حالي وحال جميع المؤمنين” في مدح الرسول، قال لها الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله “لا تعكري اللبن الصافي” لتقرر الاعتزال نهائيًا وترتدي الحجاب وتظل على ذلك أكثر من 3 عقود حتى وافتها المنية في مثل هذا اليوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017، بعد صراع مع المرض.
- شادية قدمت للسينما عشرات الأفلام والأغنيات وتزوجت أكثر من مرة من داخل وخارج الوسط الفني، لكنها لم تحقق حلمها في الإنجاب، من أشهر أفلامها “بائعة الخبز، بنات حواء، شباب امرأة، لحن الوفاء، ارحم حبي، المرأة المجهولة، التلميذة، الزوجة 13، الطريق، أغلى من حياتي، مراتي مدير عام، معبودة الجماهير”.
المصدر: الجزيرة مباشر