نكبة 1948.. كيف اندلعت أول حرب بين العرب وإسرائيل؟

جنود من الجيش العربي في حرب 1948 (غيتي)
جنود من الجيش العربي في حرب 1948 (غيتي)

اندلعت أولى الحروب العربية مع إسرائيل عقب إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان قيام الدولة الإسرائيلية في منتصف مايو/أيار 1948، لتسفر عن مقتل آلاف الجنود من الطرفين، وتنتهي بهزيمة الجيوش العربية، فيما أطلق الفلسطينيون عليها حرب “النكبة” التي مثلت بداية مأساة اللجوء والتشريد.

يعود السبب الرئيسي للحرب إلى “المشروع الصهيوني” الساعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وعمل هذا المشروع، بدعم مباشر من دول غربية، على تهجير السكان الأصليين العرب من أراضيهم وإقامة دولة إسرائيل مكانهم.

وعبّر عضو الكنيست الإسرائيلي السابق يشعياهو بن فورت عن هذه الفلسفة بقوله “لا دولة يهودية بدون إخلاء العرب من فلسطين ومصادرة أراضيهم وتسييجها”.

وقد قام الاستيطان اليهودي على فكرة الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها تحت دعاوى دينية وتاريخية، وروّج لمقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهو ما شكّل جوهر “الفكر الصهيوني” منذ أواخر القرن التاسع عشر.

عائلات فلسطينية طردت من قراها ومنازلها على يد العصابات الصهيونية عام 1948 (غيتي)
عائلات فلسطينية طردت من قراها ومنازلها على يد العصابات الصهيونية عام 1948 (غيتي)

بدايات الاستيطان في العهد العثماني

شهدت فترة الحكم العثماني أولى محاولات الاستيطان اليهودي، خاصة بعد مؤتمر لندن عام 1840، وصولاً إلى عام 1882.

وقد عُرفت هذه المرحلة بـ”الاستيطان الروتشيلدي” نسبة إلى الممول اليهودي البريطاني ليونيل دي روتشيلد، الذي أسس عشرات المستوطنات، حتى وصل عددها إلى 39 مستوطنة يسكنها 12 ألف يهودي.

ورغم رفض الدولة العثمانية الرسمي، فإن نظام حيازة الأراضي آنذاك مكّن المنظمات اليهودية من شراء المزيد من الأراضي وتكثيف الهجرة.

آرثر بلفور ورسالته الشهيرة (الجزيرة الوثائقية)

وعد بلفور

شكل وعد بلفور عام 1917، الذي نص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، نقطة تحول حاسمة، خاصة مع دخول فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

فقد لعبت بريطانيا دوراً مباشراً في تمكين “المؤسسات الصهيونية” من السيطرة على مساحات واسعة، لتصبح فترة الانتداب “المرحلة الذهبية للاستيطان”.

خلال هذه المرحلة، خضع الاستيطان لاعتبارات سياسية وعسكرية، حيث أقيمت مستوطنات في مناطق استراتيجية على شكل مجتمعات مغلقة، واستخدمت لتأمين حدود فلسطين مع الدول العربية.

العصابات الصهيونية أجبرت الفلسطينيين على الخروج من منازلهم عام 1948
العصابات الصهيونية أجبرت الفلسطينيين على الخروج من منازلهم عام 1948 (روتيرز)

توسع الاستيطان

ومع صدور “الكتاب الأبيض” عام 1930، الذي قيد الهجرة اليهودية وحدد أعدادها، سارعت “المنظمات الصهيونية” إلى تكثيف الاستيطان في الأراضي غير المأهولة باليهود تحسباً لخطط التقسيم.

فقد أُنشئت 12 مستوطنة على حدود الأردن، ومثلها على حدود لبنان، إضافة إلى 8 مستوطنات على حدود مصر، و7 أخرى بمحاذاة سوريا.

كما ركز الاستيطان على السهل الساحلي الممتد بين حيفا ويافا، وفي شمال فلسطين خاصة في سهل الحولة، إضافة إلى أراضي القدس وضواحي بئر السبع والنقب الشمالي وقطاع غزة. وفي الفترة ما بين 1939 و1948 وحدها أُقيمت 79 مستوطنة جديدة على مساحة تجاوزت مليون دونم.

الأرشيف السري في وزارة الجيش الإسرائيلي يستمر في حجب وثائق تاريخية عن جرائم العصابات الصهيونية (أرشيف)

المقاومة الفلسطينية والعربية

أدرك الفلسطينيون والعرب مبكراً خطورة المشروع الاستيطاني، فأسسوا أحزاباً وجمعيات لمواجهة الهجرة اليهودية، من بينها “الشبيبة النابلسية” في بيروت، والتي أفرزت لاحقاً جمعية “الفاروق” في القدس لمجابهة “الخطر الصهيوني”.

لكن الانقسامات الداخلية في الحركة الوطنية الفلسطينية وصراع القيادات، إضافة إلى الرهان على تغيير محتمل في الموقف البريطاني، أضعفت فعالية المقاومة، ولم تمنع من تصاعد وتيرة الهجرة والاستيطان، ما مهد الطريق لاندلاع حرب 1948 وانتصار “المشروع الصهيوني” بدعم غربي مباشر.

مشهد على طريق يافا أثناء استيلاء أعضاء الهاغاناه الصهيونية على قلعة القسطل (غيتي)
مشهد على طريق يافا أثناء استيلاء الهاغاناه على قلعة القسطل (غيتي)

المنظمات اليهودية المسلحة

عملت “الحركة الصهيونية” على تأسيس منظمات مسلحة لتأمين المستوطنين وتمهيد قيام الدولة، أبرزها: الهاغاناه، البالماخ، الأرغون، وشتيرن.

  • الهاغاناه (1921): النواة الأولى للجيش الإسرائيلي، دافعت عن المستوطنين وأنشأت نحو 50 مستوطنة، وأسهمت في تهجير اليهود إلى فلسطين.
  • الأرغون (1931): مجموعة منشقّة عن الهاغاناه بقيادة أبراهام تيهومي، نفذت عمليات ضد الفلسطينيين والبريطانيين، ثم أولت القيادة لاحقاً لمناحيم بيغن قبل اندماجها بالجيش الإسرائيلي.
  • شتيرن (1940): “المحاربون من أجل حرية إسرائيل”، عملت بشكل مستقل عن “الصهيونية العالمية”، شنت هجمات على البريطانيين وشاركت في مذبحة دير ياسين، وذابت لاحقاً في الجيش الإسرائيلي.
  • البالماخ (1941): القوة الضاربة للهاغاناه، مدربة على النسف والتخريب والعمليات السريعة، لعبت دوراً محورياً في حرب 1948، وضمّت مستقبلاً قيادات إسرائيلية بارزة مثل موشيه ديان وإسحاق رابين.

شكلت هذه المنظمات البنية العسكرية والسياسية التي مهدت لإقامة دولة إسرائيل، من خلال الاستيطان، والعمليات المسلحة، ومواجهة الفلسطينيين والقوات البريطانية.

الجمعية العامة للأمم المتحدة
الجمعية العامة للأمم المتحدة (الأمم المتحدة)

طبول الحرب

قبيل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 على قرار تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية (56% من المساحة)، ودولة عربية (43% من المساحة)، مع تدويل القدس (1%).

رحب اليهود بالقرار، بينما رفضه العرب والفلسطينيون، فشكلوا جيش الإنقاذ بقيادة الضابط السوري فوزي القاوقجي لمواجهة الجماعات اليهودية.

ومع إعلان العرب عزمهم التدخل، وضعت القيادة الإسرائيلية خطة مواجهة حملت اسم (خطة دالت) بقيادة يغال يادين. وفي منتصف الليل بين 14 و15 مايو/أيار 1948 أنهت بريطانيا وجودها، وأعلن المجلس اليهودي قيام دولة إسرائيل فور انتهاء الانتداب دون تحديد حدود.

الضابط السوري فوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ خلال حرب 1948 (الفرنسية)
الضابط السوري فوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ خلال حرب 1948 (الفرنسية)

الجيوش العربية

حذرت لجنة عسكرية عربية في سبتمبر/أيلول 1947 من ضعف الفلسطينيين وعدم قدرتهم على مواجهة اليهود، ودعت الدول العربية للتعبئة. شكلت الدول العربية جيش الإنقاذ ووفرت له الأسلحة والمتطوعين، كما أرسلت جيوشاً من 5 دول عربية:

  • مصر: نحو 20 ألف جندي، شملت خمسة ألوية مشاة ولواء آلي، مع تحويل طائرات النقل لقاذفات قنابل لتغطية العمليات.
  • الأردن: 12 ألف جندي بقيادة غلوب باشا، مركزه نابلس والزرقاء، مع بطاريتي مدفعية.
  • العراق: من 3 آلاف إلى 15 ألف جندي بقيادة العميد محمد الزبيدي، خاضوا معارك في جنين.
  • سوريا ولبنان والسعودية: شاركوا بأعداد متفاوتة، مع قيادة ميدانية متخصصة في الجبهات الشمالية.
مقاتلون من عصابة البلماح الصهيونية في حرب 1948 (غيتي)
مقاتلون من عصابة البلماح الصهيونية في حرب 1948 (غيتي)

القوات الإسرائيلية

كانت الهاغاناه تضم 45 ألفاً مع نحو 2200 من البالماخ، ومع إعلان تقسيم فلسطين انضم إليها 50 ألف يهودي آخرين، ليصل العدد إلى 107 آلاف بحلول الأسبوع الأول من يونيو/حزيران 1948، مزودين بتسليح متفوق وخبرة قتالية كبيرة.

اندلاع المعارك

بدأت الجيوش العربية هجماتها على المستوطنات اليهودية، كما عبر الجيش الأردني نهر الأردن وشارك في معارك كبرى مثل باب الواد، اللطرون، وجنين.

حقق الأردنيون نجاحات كبيرة، بينما واجهت الجيوش العربية الأخرى مشاكل تنظيمية، وافتقرت إلى التنسيق التكتيكي، رغم مشاركة مقاتلين فلسطينيين وعرب من الدول الأخرى.

استطاع الجيش العراقي السيطرة على جنين، واقترب من حيفا قبل أن توقف القيادة السياسية العملية. كما سيطر الجيش اللبناني على مناطق في الجليل الأعلى حتى فرض مجلس الأمن الدولي وقف إطلاق النار في 10 يونيو/حزيران 1948.

فرض مجلس الأمن هدنة أولى في 10 يونيو/حزيران 1948، لكنها لم تمنع إسرائيل من انتهاكها وزيادة الأراضي المحتلة، خاصة جنوب فلسطين عند الفالوجة.

ثم استؤنفت المعارك في 8 يوليو/تموز 1948 حتى هدأت بعد تهديدات الأمم المتحدة، ثم توقيع اتفاقيات الهدنة الأربع بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 1949، التي رسمت الخط الأخضر واعترفت دولياً بإسرائيل.

الملك فاروق خلال زيارته للجيش المصري في حرب ١٩٤٨ (مواقع التواصل)
الملك فاروق خلال زيارته للجيش المصري في حرب ١٩٤٨ (مواقع التواصل)

قضية الأسلحة الفاسدة

تعد قضية الأسلحة الفاسدة واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بهزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948، حيث تم الترويج لها كأحد الأسباب التي دفعت مجموعة الضباط الأحرار لتنفيذ ثورة يوليو/تموز 1952 ضد الملك فاروق الأول.

وكان الملك فاروق قد قرر دخول الحرب قبل انتهاء الانتداب البريطاني بأسبوعين فقط، وأقر البرلمان المصري المشاركة قبل يومين من بدء العمليات العسكرية.

ونظراً لضيق الوقت ونقص التسليح، شكّلت القيادة المصرية في 13 مايو/أيار 1948 لجنة احتياجات الجيش، ومنحتها صلاحيات واسعة لشراء الأسلحة وتحديد مصادرها وأنواعها بسرعة، دون أي رقابة فعلية، في خطوة اعتبرت ضرورية لتجهيز الجيش في مواجهة الصراع المستعجل.

وفي ظل حظر مجلس الأمن الدولي بيع الأسلحة للدول المتحاربة في فلسطين، لجأت الحكومة المصرية لعقد صفقات مع شركات السلاح تحت غطاء أسماء وسطاء مصريين وأجانب، لتجاوز القرار وتحقيق تجهيز الجيش بسرعة.

وفي عام 1950، أصدر ديوان المحاسبة تقريراً كشف مخالفات مالية جسيمة في صفقات الأسلحة التي تمت بين 1948 و1949. وتم تقديم المسؤولين عن هذه الصفقات للمحاكمة، لكنهم حصلوا جميعاً على البراءة في 10 يونيو/حزيران 1953 بعد الإطاحة بالملك فاروق، باستثناء اثنين حُكم عليهما بغرامة مائة جنيه لكل منهما، وهما القائم مقام عبد الغفار عثمان والبكباشي حسين مصطفى منصور.

وتشير شهادات جنود وضباط إلى أن الأسلحة الفاسدة لم تؤثر بشكل حاسم على مجريات حرب 1948. إذ لجأت لجنة احتياجات الجيش إلى مصادر سريعة وغير مضمونة لتوريد السلاح، بما في ذلك جمع أسلحة ومعدات من مخلفات الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية، واستخدام بعض الأسلحة أدى إلى وفاة جنود.

ورغم ذلك، نجحت اللجنة في توريد أسلحة متطورة أخرى أسهمت في تقليل الخسائر، وحالت دون وقوع هزيمة أكبر للجيش المصري خلال الصراع.

مجاهد يقاوم العصابات الإسرائيلية قبل احتلال غربي القدس (أرشيف البالماخ)
مجاهد يقاوم العصابات الإسرائيلية قبل احتلال غربي القدس (أرشيف البالماخ)

أسباب هزيمة العرب في حرب 1948

يرى المؤرخون أن هزيمة العرب في حرب 1948 جاءت نتيجة أسباب عسكرية وسياسية متشابكة، أبرزها الفارق الكبير في الخبرة والعدد والتسليح بين القوات العربية والإسرائيلية.

الأسباب العسكرية

  • انسحاب القوات الأردنية من مواقعها بأمر قيادتها السياسية أدى إلى خسارة أراض واسعة مخصصة للدولة العربية، بما في ذلك الجليل الأعلى والنقب، وكشف المواقع المصرية ما سهّل محاصرتها من قبل الإسرائيليين.
  • تفوق الجيش الإسرائيلي: امتلك مقاتلو الهاغاناه خبرة عسكرية مكتسبة من مشاركتهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، بينما لم يشارك الجيش المصري في أي معارك حديثة منذ عام 1839، مما أحدث فجوة كبيرة في الخبرة.
  • تفوق القوات الإسرائيلية بالعدد والعدة: كانت القوات الإسرائيلية تفوق الجيش المصري بنسبة 2 إلى 1 في العدد، وبنسبة 3 إلى 1 في المعدات والذخيرة.
  • ضعف المقاومة الفلسطينية: تميزت فرق المقاومة الفلسطينية بضعف التسليح ونقص التنظيم والخبرة العسكرية.

الأسباب السياسية

  • الدعم الغربي لإقامة دولة يهودية: ساهمت إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا في تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، وتزويدهم بالأسلحة والتدريب، في الوقت الذي تم فيه حرمان الدول العربية من هذه الإمكانيات.
  • غياب استراتيجية عربية واضحة: لم تكن القيادة السياسية في مصر تمتلك دراسات كافية عن طبيعة المخطط اليهودي أو المساندة الغربية لإقامة الدولة الإسرائيلية، مما أثر على اتخاذ القرارات الحاسمة.
  • الانسحابات الأردنية: أسهمت في خسارة أراضٍ واسعة، وكشفت المواقع المصرية أمام القوات الإسرائيلية، كما حدث في منطقة الفالوجة.

الخسائر البشرية

  • الفلسطينيون: حوالي 15 ألف قتيل.
  • الجيوش العربية الأخرى: بين 3,700 و7 آلاف قتيل.
  • اليهود: نحو 5,600 قتيل وفق الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية.
المصدر: الجزيرة مباشر + مواقع إلكترونية

إعلان