«الأعلى للإعلام» يغتصب القانون والحريات

والحقيقة أن اللائحة رغم ما تحتويه من قيود وقواعد باطشة للإعلاميين خاصة وللحريات عامة، إلا أنها جاءت تحت مظلة توقعات الإعلاميين

رغم محاولات البعض من أعضاء المجلس الأعلى للإعلام وعلى رأسهم مكرم محمد أحمد رئيس المجلس، استيعاب غضبة الجماعة الإعلامية تجاه مشروع لائحة تسربت عن المجلس تفرض عقوبات غليظة على الإعلاميين من شأنها التقييد التام لحرية الرأي والتعبير في مصر، إلا أن مناخ عدم الثقة بين الإعلاميين من جهة والمجلس والدولة من جهة أخرى أجهضت هذه المحاولات.
والحقيقة أن اللائحة رغم ما تحتويه من قيود وقواعد باطشة بالإعلاميين خاصة والحريات عامة، إلا أنها جاءت تحت مظلة توقعات الإعلاميين الذين يعانون من المطاردات والحصار الشديد طوال الوقت وارتفت حدتها في الآونة الأخيرة، كما أن محاولات نفي مكرم محمد أحمد إصداره هذه اللائحة، تعارضت مع تصرفات الرجل منذ استلقائه على مقعد «الأعلى للإعلام» التي تشير إلى أنه يسير نحو هدف واحد وهو تقييد الحريات الإعلامية في مصر وإخضاعها بشكل تام لدوائر الحكم، فالرجل يسعى منذ البداية لاغتصاب سلطات القانون وصلاحيات جهات التحقيق لفرض هيمنته على الواقع الإعلامي إلى حد يمكنه من إصدار عقوبات مادية إسوة بالنيابة العامة!!.

•    محاولات قديمة 

في شهر يوليو (تموز) 2018 استدعى النائب العام، الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لتعديه على اختصاصات النيابة العامة في حظر النشر بقضية مستشفى 57357. وكان «مكرم» قد تعدى على اختصاصات النائب العام وأصدر أمرا بوقف النشر في قضية الفساد المتعلقة بتبرعات مستشفى 57357 للأورام مما استنفر غضب أعضاء النيابة، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحاول فيها مكرم اغتصاب صلاحيات تمكنه من تقييد الحريات الصحفية فقبل هذه الواقعة بأشهر تسبب في حبس الصحفي عادل صبري عندما أصدر عقوبة تجاهه بغرامة مالية كبيرة لقيام الموقع الذي يديره صبري بترجمة موضوع صحفي عن الانتخابات الرئاسية، وأصبح المجلس الأعلى للإعلام بالنسبة للصحفيين خصما وحكما وجلادا.
والحقيقة أن محاولات الهيمنة والسيطرة على الإعلام ليست أمرا محليا تختص به مصر، ولا أمرا جديدا على الجماعة الصحفية والإعلامية في مصر، فحريات الرأي والصحافة والتناول الإعلامي دائما ما ترتبط بطبيعة الحكم ومدى قربه وبعده من تطبيق الديمقراطية، وخاصة في ظل حكم الفاشيات بكل أنواعه، فقد كان جوزيف غوبلز وزير الدعاية الألمانية فترة حكم هتلر أول من سخر الإعلام للترويج لسياسات الفاشية العسكرية لهتلر تحت مظلة شعار«هتلر فوق ألمانيا»، ونشر قناعة بأن الزعيم الألماني هو صمام الأمن والأمان للشعب من دونه سينهار المجتمع الألماني وهو نفس الأسلوب الذي يتبعه إعلام النظم العسكرية حتى الآن.
ولم يكن البطش حكرا على الفاشية العسكرية فقط، فقد كان للفاشية الدينية نصيب في القيام بهذا الدور ظهر بوضوح في الولايات المتحدة الأمريكية مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، عندما استنفر النائب الأمريكي جوزيف مكارثي المجتمع الأميركي تجاه الشيوعية وأوهمه بأنها دين يستهدف القضاء على المسيحية يجب القضاء على كل من يدينون بها، وتحت راية هذا الهدف الوهمي طارد «مكارثي» المثقفين والفنانين والعلماء في أكبر مذبحة ضد حرية الرأي والتعبير والإبداع.
وانهزم «هتلر» ومات «غوبلز» منتحرا بعد أن قتل زوجته وأطفاله الستة، واستيقظ المجتمع الأمريكي من سباته، بعد أن أدرك خدعة «مكارثي»، ورفض أي مبرر ديني لمطاردة المثقفين والعلماء والفنانين والإجهاز على الحريات التي تمثل العنصر الرئيسي في الدستور الأمريكي، وتمت إدانة «مكارثي» ومات منزويا بعد أن أدمن الخمور والمخدرات.

•    قيود مصرية 

ما علينا ولنعد إلى مصر حيث الكر والفر بين الإعلام والأنظمة المتعاقبة على الحكم ومعارك حصار الحريات الإعلامية ومطاردات الصحفيين، ومنها قرارات حظر النشر التي أصدرها النظام الملكي عام 1948 عقب فضيحة الأسلحة الفاسدة، وقانون تأميم الصحافة الذي أصدره جمال عبد الناصر عام 1960. وقانون حماية القيم من العيب الذي أصدره أنور السادات عام 1977 والذي استهدف به أي رأي مناهض للنظام الحاكم أو منتقداً لشخص رئيس الجمهورية، ومحاولات حسني مبارك إصدار قوانين مقيدة للإعلام ومطاردة الصحفيين والهيمنة على المجتمع الإعلامي بذهب رجال الأعمال الفاسدين والموالين للدولة وسيف أجهزة أمن الدولة.
ورغم كل ما مرت به الجماعة الصحفية والواقع الإعلامي في مصر من ظروف متردية وقيود قاسية باطشة، إلا أن ما ورد في مشروع لائحة «الأعلى للإعلام»، والذي تم تسريبه بشكل شبه رسمي لغرض ما، يجعل كل ما مضى في كفه وهذه اللائحة في كفة أخرى، فهي بمثابة الإجهاز النهائي ليس على الحريات الصحافية والإعلامية في مصر فقط وإنما على حرية المجتمع كله وفرض سياج حديدي غليظ حول المجتمع وتحويله إلى «وسية» يخدم داخلها العبيد الأسياد والنخاسون الذين يتاجرون بالأوطان.

•     لائحة أم مقصلة

مشروع اللائحة يبدأ في سطوره الأولي بتأكيد نية مبيته وإصرار من المجلس الأعلى للإعلام على اغتصاب صلاحيات قانونية ليست من حقه فقد جاء في المادة الأولى من المشروع «يعاقب كل من استخدم أو سمح باستخدام ألفاظ واضحة وصريحة تشكل جريمة سب أو قذف بأحد الجزاءات المقررة أو أكثر حسب الأحوال، فتعاقب الوسيلة الإعلامية بغرامة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائتين وخمسين ألف جنيه، مع لفت النظر (التنبيه)، والإنذار، وكذلك إحالة الصحفي أو الإعلامي للتحقيق بمعرفة النقابة المختصة، وإلزام الوسيلة بتقديم اعتذار بذات الطريقة التي وقعت بها المخالفة، كما يتم وقف بث البرامج المخالفة أو وقف الأبواب أو الصفحات أو حجب الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، على أن يمنع الصحفي أو الإعلامي من الكتابة أو الظهور في أي وسيلة لفترة محددة«.
وهنا فرض المجلس نفسه قاضياً في جرائم السب والقذف، فمن المؤكد أنه في حال ثبوت وقوع جريمة السب والقذف، فإن الأمر يتعلق بالمادة 302 من قانون العقوبات والتي تنص على «يعد قاذفاً كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هذا القانون أمورا لو كانت قاذفة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه»، وهنا يتضح إصرار المجلس الأعلى للإعلام ورئيسه ليس فقط على اغتصاب حقوق قانونية من سلطات التحقيق طبقا للاتهام الذي وجهه النائب العام لرئيس المجلس من قبل، وإنما أيضا اغتصاب حقوق إصدار الأحكام من القضاء نفسه!! 
فإذا أضفنا ما ورد في المادة (29) من مشروع الأعلى للإعلام والذي ينص على «أنه يجوز للمجلس إحالة ما يراه من مخالفات قد ترقى إلى مرتبة الجرائم الإعلامية إلى السلطات المختصة»، سنجد أن «الأعلى» يسعى للحصول على حق الضبطية القضائية لأعضائه المعينين من الدولة، وربما يصل الأمر إلى تدريبهم على استخدام السلاح لمطاردة غير الملتزمين بحدود النقد مع الحاكم، أو ربما نصطدم برئيس المجلس الأعلى للإعلام وهو يتجول في حملات تفتيشية وفي يده» كلاشنكوف»!!(أعتذر عن هذه السخرية، ولكن مرارة الواقع تجاوزت الحدود.)

•     كود للمصادر

وتتصاعد القيود والمحاذير والمحاظير في مشروع القانون إلى حد وضع كود للمصادر الصحفية والإعلامية في المادة السادسة التي تنص على «يعاقب كل من سمح باستضافة شخصيات غير مؤهلة أو تقديمهم لجمهور على خلاف الحقيقة بأحد الجزاءات الآتية أو أكثر حسب الأحوال: وهي لفت النظر للبرنامج، (التنبيه)، وإنذار للوسيلة الإعلامية«!!!.
أما المادة السابعة من المشروع فقد حصنت صاحب القرار الخطأ ضد النقد فنصت على «يُعاقب كل من سمح بتعميم الاتهامات أو توجيه النقد للشخص مصدر القرار وليس للقرار نفسه بلفت النظر (التنبيه) وإلزام الوسيلة بتقديم تصحيح واضح»، وهنا أصبح من حق أي مسؤول إصدار أي قرارات غير مدروسة أو لتحقيق مصالح فئات خاصة على حساب المصلحة العامة، وهو مطمئن أنه محصن ضد النقد الإعلامي!!
المادة التاسعة من مشروع القانون فرضت بشكل تعسفي حقوق الفرد عن حقوق المجتمع، وجرمت التناول الإعلامي للقضايا الفردية؛ حيث نصت على «يعاقب كل من سمح أو قام بإجراء مناقشات أو حوارات على حالات فردية باعتبارها ظاهرة عامة، أو خلط الرأي بالخبر بإحدى العقوبات الآتية أو أكثر حسب الأحوال: لفت النظر (التنبيه) وغرامة مالية لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه».
أما المادة 12 من هذا المشروع فتنص على «يعاقب كل من يخالف قواعد التغطية الإعلامية المتخصصة (الأكواد) الخاصة بالقضايا العربية العربية أو العربية الأفريقية أو قضايا المرأة والطفل والمعاقين الصادرة عن المجلس ويرد بأحد الجزاءات أو أكثر حسب الأحوال، والتي تشمل فرض غرامة مالية لا تقل عن 25 ألف جنيه ولا تزيد على 100 ألف جنيه، وكذلك إلزام الوسيلة بتقديم اعتذار ونشر تصحيح، مع منع البث للوسيلة أو منع النشر لفترة إذا اقترنت المخالفة باستخدام ألفاظ أو تعبيرات تسيء للشعوب أو تهين للحكام أو تضر بمصالح البلاد»، والحقيقة أنه ليست هناك أكواد لتحديد معايير إهانة الحكام إلا المصالح بين النظام الحاكم وهؤلاء الحكام، وطبقا لهذه المادة من القانون فإن أي تغطية صحافية تتناول دور ولي العهد السعودي في جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، تقع تحت طائلة القانون والتجريم!!
أما بقية مواد مشروع القانون الذي يحتوي على 30 مادة فقد غلب عليها تغليظ العقوبات بالغرامات المالية، بالإضافة إلى التعميم وعدم الوضوح في الاتهامات التي يمكن أن يقع تحت مقصلتها الإعلامي بسهولة إذا ساءت العلاقة بينه وبين السلطة الحاكم والحكومة ورجالها، ولهذا كثرت في المشروع تعبيرات عامة حول ما يعتبره مشروع القانون إدانات مثل السماح باستخدام مشاهد عنف غير مبررة أو إهانة المشاهدين أو قطاع منهم أو الإساءة إليهم أو لمعتقداتهم أو قيمهم المجتمعية»، ومثل «يعاقب كل من تمادى في انتقاد سلوكيات المواطنين بشكل يجاوز حدود النقد المباح والمعقول: «وغيرها من الاتهامات التي تتسم بالعمومية ويمكن أن تنطبق على أي أداء إعلامي حسب هوى جهات تقديم البلاغ، مع اعتبار تعدد جهات التحقيق والمحاكمة لو تم إقرار هذا القانون وتحويل المجلس الأعلى للإعلام إلى جهة تحقيق ومنصة محاكمة في نفس الوقت، وكأنها جزء من السلطة القضائية!!!!.
مشروع هذه اللائحة إنما يشير إلى أن النظام الحاكم في مصر لا يسعى فقط إلى تقييد حرية الإعلاميين وإنما يسعى لفرض قيودا أبدية على حرية الشعب كله، لضمان استمرار أبدي لحكمه، ولهذا فإنه ليس مصادفة أن تتزامن الرغبة في وضع لائحة مقيدة للحريات مع الرغبة في تعديل دستور البلاد بهدف إلغاء تحديد مدة الرئاسة.
ومع هذا فقد أغفل هؤلاء أن هناك عاملا آخر في الوطن يقضي على وهم الأبدية ويتجاوز كل هذه الإجراءات والتدابير القمعية وهو الإرادة الشعبية التي تفرض ثورتها المُحطمة للقيود مهما كانت قوتها وبميعاد لا يعلمه أحد ولا يتوقعه.
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان