التجربة القطرية.. الفوز ليس ضربة حظ!

فالإنجاز التاريخي غير المسبوق الذي حققه منتخب قطر الأول مؤخرا، لم يكن بضربة حظ ، وإنما جاء نتاج دراسة، وتخطيط، وعلم، وعمل بدأ منذ ما يقرب العقد ونصف العقد من الزمان
قد ينصفك الحظ مرة، لكنه سيخذلك في باقي المرات، فالحظ لا يساند من يعتمدون عليه، إنما يحالف المجتهد، المتسلح بالعلم، المؤمن بالعمل، الآخذ بالأسباب، ولنا في التجربة القطرية خير دليل وأوضح صورة، وأقرب مثال..
فالإنجاز التاريخي غير المسبوق الذي حققه منتخب قطر الأول مؤخرا، بالفوز ببطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم في نسختها السابعة عشرة التي استضافتها الإمارات من 5 يناير الماضي حتى الأول من فبراير الجاري، لم يكن وليد الصدفة، أو بضربة حظ، إنما جاء نتاج دراسة، وتخطيط، وعلم، وعمل بدأ منذ ما يقرب العقد ونصف العقد من الزمان، وأتى ثماره في أكثر من مناسبة، لكننا لم نرها إلا في إنجازه الأخير بالإمارات.
فقد يغيب على كثير من المتابعين أن هذا المنتخب بنفس لاعبيه بنفس مدربه سبق وأن حقق إنجازا فريدا أيضا، عندما فاز ببطولة أمم آسيا للشباب التي أقيمت بميانمار 2014، وهو إنجاز لا يقل في قيمته وأهميته عن الفوز بكأس آسيا للكبار، وكون أن توليفة اللاعبين التي حققت بطولة الشباب هي نفسها التي حققت بعد خمس سنوات لقب بطولة الكبار، إذن فنحن أمام عمل ممنهج، وخطط مدروسة تهدف إلى إعداد فريق قوي قادر على حمل اسم قطر في المحافل الدولية، ومؤهل للمنافسة على البطولات الكبرى ، وغني عن الذكر أن هذا المنتخب أيضا هو الذي يعد من الآن للمشاركة في نهائيات كأس العالم التي تنظمها قطر في 2022..
القصة تبدأ قبل 15 عاما عندما رأت الدولة القطرية أن المجال الرياضي الإقليمي والعالمي يمكن المنافسة فيه وبقوة، فضلا عن كونه طريقا سلسا وسهلا لإقامة علاقات سياسية واجتماعية مع دول العالم المختلفة، وقد ساعد في تبني هذا التوجه، النجاح الكبير الذي حققته قطر في مجال الإعلام الرياضي عبر قناة الجزيرة الرياضية التي أنشئت في 2003 ثم تحولت في 2012 إلى مجموعة قنوات بي إن سبورت.. وسريعا جدا سلكت الطريق، ومن الوهلة الأولى رأت أن تحقيقه على الوجه المرجو يستوجب المنافسة في البطولات المختلفة وليس التمثيل المشرف فحسب، وهو أمر لم يكن سهلا تحقيقه، خاصة وأن قطر محدودة المساحة الجغرافية، وتعدادها السكاني قليل، وهو ما يجعل عملية اختيار المواهب والأبطال عملا شاقا للغاية، فضلا عن أن المنافسة في المضمار الدولي والعالمي تتطلب أعلى درجات الاحترافية، في حين أن مجتمعاتنا العربية لازالت رهينة الهواية، لكن وبالرغم من ذلك فقد عقدت قطر العزم على إكمال المشوار وخوض الغمار.. وأول ما كان يجب عمله لتحقيق ذلك هو توفير البيئة الملائمة لاكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، وهذا لن يتحقق إلا بوجود منشآت رياضية تساعد على ذلك، ودعم مادي ومعنوي كبيرين، وبالفعل تحقق ذلك بفضل دعم غير محدود من القيادة السياسية، وكانت البداية بإقامة مشروع هو الأضخم ليس على مستوى القارة الآسيوية فحسب، بل عالميا أيضا، ألا وهو القرية الرياضية “أسباير” تلك القلعة المقامة على مساحة 2.5 كيلو متر مربع ، تشمل أكثر من 15 منشأة، وتضم ملاعب لمختلف اللعبات، وصالات تدريب، وحمامات سباحة، وفنادق خمس نجوم ومستشفى للطب الرياضي، وقد تم إنشاء تلك القرية بأعلى درجات الاحترافية، ليحقق المشروع الشعار الذي وضع له من اليوم الأول وهو” اليوم حلم وغدا نجم”..
وفي أسباير تم التخطيط لإعداد الفرق الرياضية المختلفة التي ستحمل اسم قطر في المنافسات المختلفة، حيث تم إنشاء أكاديميات لكل اللعبات، على أن تكون تلك الأكاديميات هي معامل التفريخ للمنتخبات الوطنية المختلفة، ومن بين هذه الأكاديميات كانت أكاديمية كرة القدم، فهي التي خرجت مجموعة اللاعبين الأفذاذ الذين استطاعوا الفوز بكأس آسيا للشباب 2014 ثم كأس آسيا للكبار 2019، فمعظم اللاعبين الذين شاركوا في تحقيق هذين الإنجازين هم من أبناء أسباير، منهم على سبيل المثال لا الحصر المهاجم الخطير المعز علي هداف الفريق، وأكرم عفيف صانع اللعب، وسعد الشيب حارس المرمى، وغيرهم..
ولا شك أن تجربة أسباير الناجحة هي التي منحت قطر الدفعة الكبيرة في تحقيق أهم إنجاز رياضي لوجستي وهو الفوز بتنظيم كأس العالم، خاصة وأن أسباير منذ ولدت حتى يومنا هذا، تعد هي المكان المفضل لكبرى الفرق الأوربية لإقامة معسكراتها التدريبية، حيث يتوفر بأسباير ما لا يتوفر بأي مكان رياضي مماثل بالعالم، ففضلا عن الملاعب المجهزة على أعلى مستوى وصالات التدريب البدني، يوجد بها أيضا فنادق الإقامة، ومستشفى للطب الرياضي” سبيتار”هي الأفضل عالميا، وهو ما يجعل اللاعبين يتنقلون بين كل هذه الأماكن في دقائق قليلة، وهو ما يحافظ لهم على طاقاتهم البدنية ومجهودهم الذهني، ولا شك أن كل هذه عوامل ساعدت قطر في كسب تأييد الدول الأعضاء بالاتحاد الدولي لكرة القدم”الفيفا”عندما تقدمت بطلب تنظيم كأس العالم في 2010..
بالتأكيد التجربة القطرية تحتاج الكثير من المقالات حتى نوفيها حقها، نعد بمواصلة الحديث عنها بإذن الله.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
