السودان: ماذا تعرف عن الصحف والفضائيات المغلقة؟!

وبدا قرار حكومة حمدوك كما لو أنه يستعجل فقط مصادرة تلك المؤسسات الاعلامية، وخنق الحريات الصحفية، حتى لا تجاهر جهة بعد ذلك على معارضة الحكومة، أو تفسح المجال للتعبير عن الرأي الأخر
في هجمة جديدة على الحريات الإعلامية أشبه بالتأميم الذي تنهض عليه الأنظمة الدكتاتورية عادة، انفتح المشهد السوداني بعد حجز ومصادرة عدد من الصحف والقنوات الفضائية على مخاوف أكبر، ربما تفضي في النهاية إلى القضاء على الثورة نفسها بعد سحق شعارها الأشهر (حرية سلام وعدالة) .
مؤخراً أقرت الحكومة الانتقالية قانوناً زعمت أنه لإزالة تمكين النظام السابق، وقامت بموجب ذلك القانون بمصادرة وإغلاق قناتي “الشروق وطيبة” وصحيفتي “السوداني” و”الرأي العام”، وإذاعة “الفرقان” إلى جانب تجميد حسابات رئيس تحرير صحيفة (أخبار اليوم) محمد البلال الطيب، ومراجعة حسابات صحف أخرى، وإغلاق صحيفة “سودان فيشن” الإنجليزية، بصورة توحي بأن ما جرى في السودان هو محض انقلاب عسكري لا ثورة شعبية .
كان ذلك الجرف الهائل صادماً ومروعاً داخل الوسط الإعلامي، خصوصاً وأن الذين تضرروا بشكل مباشر، ووجدوا أنفسهم بلا عمل أو منابر للقيام بواجباتهم المهنية، نحو (2063) صحفيا وإعلاميا، أدركوا أنهم في مواجهة مرحلة جديدة من تكميم الأفواه وتحطيم الأقلام .
من الصحف المصادرة جريدة (الرأي العام) وهى مملوكة لأسرة العتباني منذ العام ١٩٤٥ كانت قد أجبرت الأسرة في فترة من عهد نظام البشير على بيع أسهمها للحزب الحاكم، لكن تمت إستعادة الأسهم عن طريق السلطة القضائية، وقد اعتبر رئيس مجلس إدارة الصحيفة علي العتباني قرار المصادرة الآخير بأنه استهداف وتنكب لطريق الحريات، سيما وأن (الرأي العام) لم يعطل مسيرتها الاستعمار البريطاني ولا الأنظمة القمعية والشمولية!
أما صحيفة (السوداني) فقد أصدرها محجوب عروة في العام 2005 لكنها سرعان ما توقفت لمدة عام، بسبب صراعات مراكز القوى داخل النظام السابق، قبل أن تنتقل ملكيتها مؤخراً إلى رجل الأعمال ورئيس نادي المريخ السابق جمال الوالي، حتى انتهى بها المطاف أخيراً إلى المصادرة بالاشتباه بتلقيها دعماً مالياً من حكومة البشير، وهى التهمة التي نفاها رئيس التحرير (ضياء الدين بلال) واعتبر ما تم ضده نوعاً من الكيد السياسي وتصفية الحسابات .
أما قناة الشروق فقد إنطلق بثها في يناير/ كانون الثاني من العام 2008 من دولة الإمارات وكانت رسالتها المعلنة وقتها دعم السلام والتنمية والاستقرار، وهى أول قناة سودانية إخبارية أسوة بالقنوات العربية المتخصصة، وحازت بالفعل على رضا قطاع عريض من المشاهدين، بسبب شبكة مراسليها المنتشرة في كافة ولايات السودان، ومساحة الحرية التي حظيت بها، وانتقلت بعد ذلك إلى الخرطوم بسبب انحسار الدعم المالي عنها، كما ذهبت أسهمها من وزير السدود حينها أسامة عبد الله إلى رجل الأعمال جمال الوالي، وعند سقوط نظام البشير كانت أقرب إلى المجلس العسكري الانتقالي.
على مقربة من الشروق تبدو قناة طيبة التي انطلقت من داخل السودان في يوليو/ تموز 2008 كفضائية دعوية تقدم إعلاماً يؤكد على الهوية الإسلامية برؤية عصرية، على حسب ديباجتها، وقد تلقت دعماً مالياً من البشير نسبة لدورها في نشر الاسلام، وفقاً لإفادات الرئيس المخلوع.
وأستبقت الحملة على الصحف والقنوات الفضائية دعاية مناوئة بأنها تنتمي لما يعرف بالدولة العميقة، وتشكل تهديداً للمرحلة الانتقالية، فجاء إبتداء قرار وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح بإيقاف منصة شركة الأندلس للإنتاج الإعلامي التي يترأس مجلس إدارتها الداعية السوداني عبد الحي يوسف المناهض لقوى تحالف إعلان الحرية والتغيير الحاكم، حيث تضم الشبكة مجموعة قنوات فضائية دعوية تبث بلغة الهوسا والسواحلية وتستهدف البلدان الافريقية.
وبالرغم من أن القرار استند على حجة مخالفة البث الحصري للهيئة السودانية، إلا أن القرار الأخير قضى بإغلاق قناتي طيبة والشروق بالمرة، دون منحها حتى فرصة التقاضي قبل المصادرة، كما تعتمد أحكام القرار، الذي لا يخول الطعن في أي تدبير صادر بموجبه، ولا يحق لأي سلطة قضائية أن توقف أو تأمر بوقف تنفيذ ما يصدر عن لجنة إزالة التمكين، التي يترأسها عضو المجلس السيادي الفريق ياسر العطا، ما لم يتقرر بطلان التدبير قضائياً. علماً بأن مناهضة هذا القرار تبدو صعبة عملياً، لأنه أخذ تلك المؤسسات بالشبهات فقط، ولم يقدم دليلاً مادياً على أنها تلقت دعماً من النظام المعزول، بل مضى لايقاع العقوبة عليها قبل الحكم ودون حيثيات وتثبت، وبدا قرار حكومة حمدوك كما لو أنه يستعجل فقط مصادرة تلك المؤسسات الاعلامية، وخنق الحريات الصحفية، حتى لا تجاهر جهة بعد ذلك بمعارضة الحكومة، أو تفسح المجال للتعبير عن الرأي الأخر
لا شك أن الهجمة على الحريات في هذه المرحلة تنذر بمخاطر قبضة استبدادية، على الأقل، وردة أيضاً عن ثورة ديسمبر المجيدة بكل تضحاياتها وشعاراتها الزاهية.
كما أن حديث لجنة إزالة التمكين بعدم تضرر العاملين من مصادرة واغلاق الصحف، لم يكن سليماً، فقد وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها في العراء، بعد مداهمة مقارهم بالقوات المدججة بالأسلحة، دون أن تداهم وزير الثقافة والإعلام الشاعر والكاتب الصحفي فيصل محمد صالح الحائز على جائزة (بيتر ماكل) للشجاعة نوبة ضمير، ما يستدعي، للمفارقة الحزينة، حكاية إمبراطور آسيوي قديم كان قد طلب من عَسَسِهِ أن يجمعوا له كل الشعراء الذين لا يمدحونه ولا يمجدونه، فوجدوا شاعراً واحداً فقط وجاءوا به للإمبراطور الذي حَكَم بإعدامه في ساحةٍ عامة أمام الملأ، وعندما حان الموعد المضروب ورفع السيَّاف سيفه لتنفيذ حكم الإعدام، دَهَمَت الإمبراطور صحوة ضمير، فصاح بالسيَّاف قائلاً: “توقف .. وأترك لهذه البلاد شاعرَها الحقيقي الوحيد، لأنها بموته ستصبح أرملة” .
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
