الأمم المتحدة في عامها الثمانين.. لماذا يتعطل الإصلاح؟

مبنى الأمم المتحدة (الفرنسية)

أكملت الأمم المتحدة التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية عامها الثمانين، وهذا يعني أنها شاخت، ولم تعد تؤدي مهامها بكفاءة تناسب التطورات الجارية في العالم، ثمانون عاما تحررت فيها الدول التي كانت مستعمرة، وتفتت دول، وظهرت أخرى، وتضخمت دول كانت في أوضاع ضعيفة، وأصبحت تؤدي أدوارا أكبر على الصعيدين الإقليمي والدولي، حدثت حروب وأزمات كثيرة فشلت الأمم المتحدة في حل أغلبها بسبب احتكار 5 دول لحق النقض في مجلس الأمن.

في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انتهت قبل يومين، خفت الحديث عن إصلاح المنظمة الدولية لتكون أكثر عدالة في تمثيلها لشعوب العالم المختلفة، وربما يرجع السبب في هذا الخفوت إلى شعور بأن اللحظة ليست مناسبة، فلا توجد قوى كبرى مستعدة، أو قادرة على قيادة دعوة الإصلاح، في مواجهة الولايات المتحدة التي لا تزال الأقوى والأعلى صوتا، وبالتالي فقد يكون من الأفضل تأجيل هذه الدعوة قليلا حتى تتغير موازين القوى العالمية، أو في الحد الأدنى بعد رحيل الرئيس دونالد ترامب.

العالم أكثر من خمسة

طوال العقدين الماضيين ارتفعت الأصوات بدعوات الإصلاح التي انصبت بشكل أساسي على مجلس الأمن، وتغيير قواعد التصويت فيه، هذه القواعد وضعها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وضمنوا من خلالها مقاعد دائمة، وحق الرفض في المجلس، لم تعد معبرة عن التغيرات العالمية، رفع الرئيس التركي طيب أردوغان شعار العالم أكبر من خمسة، في إشارة إلى الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وطالبت دول كبرى أخرى بعضوية دائمة في مجلس الأمن، مثل الهند، واليابان، وألمانيا، وإندونيسيا، والبرازيل، ومصر، وجنوب أفريقيا.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ترى أفريقيا أنها عانت ظلما تاريخيا، والآن هي تضم 56 دولة، وتمثل الكتلة الثانية في الأمم المتحدة، ومن حقها عضوان أو ثلاثة دائمون، وخمسة غير دائمين في مجلس الأمن، وترى قارة أمريكا اللاتينية أحقيتها بالتمثيل بعضوية دائمة في المجلس أيضا، وترى آسيا أحقيتها في زيادة حصتها باعتبارها الكتلة الكبرى عالميا، ولا يمثلها حاليا سوى الصين، (روسيا رغم أن أغلبية أرضها آسيوية فإنها تصنف سياسيا وثقافيا أوروبية)، العالم الإسلامي يمثل ملياري نسمة ومع ذلك ليس له عضوية دائمة في مجلس الأمن، بينما يمثل البروتستانت عضوان (بريطانيا وأمريكا) والكاثوليك عضو (فرنسا)، والأرثوذكس عضو (روسيا).

حين تأسست الأمم المتحدة كان عدد الدول خمسين دولة، وكان عدد أعضاء مجلس الأمن 11 منهم الخمسة الدائمون، وفي عام 1965 حدث أول تعديل بزيادة غير الدائمين في المجلس إلى 10، ومنذ عام 1992 بدأت محاولات جديدة للإصلاح، حيث عقدت أول قمة تاريخية للدول الأعضاء بالمجلس وكان من بين أهدافها “إعادة هيكلة منظومة الأمم المتحدة والاعتراف بحقائق العالم المتغير”، وفي منتصف سبتمبر 2008 بدأت المفاوضات الحكومية الدولية بشأن إصلاح مجلس الأمن، وهي عبارة عن مفاوضات غير رسمية تُجرى بمقر الأمم المتحدة في نيويورك بهدف تقريب وجهات النظر بشأن سبل المضي قدما في عملية الإصلاح، ولا تزال هذه المفاوضات تجري حتى الآن دون التوصل إلى تصور مشترك للإصلاح.

عراقيل أمام الإصلاح

تواجه جهود الإصلاح عراقيل من ناحية الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، التي لا تريد التنازل عن مكتسباتها، كما أن لها تفضيلاتها الخاصة بالمرشحين الجدد، وتواجه أيضا عراقيل من الدول المطالبة بالإصلاح، التي لم تتفق فيما بينها على قواعد هذا الإصلاح، ولا طريقة اختيار المرشحين الجدد، بينما ترى بعض الدول الاكتفاء بزيادة عدد الدول غير الدائمة مع ضبط التمثيل الجغرافي ليكون أكثر عدالة.

أصحاب حق الفيتو لديهم رؤى متنوعة أيضا للإصلاح، فهم لا يمانعون من توسيع العضوية الدائمة أو غير الدائمة، شريطة عدم المس بمكانتهم، والولايات المتحدة وافقت قبل 3 سنوات في عهد بايدن على توسيع عضوية مجلس الأمن بما يعكس بشكل أفضل الحقائق العالمية الحالية، وأن يضم المجلس وجهات نظر أكثر تنوعا جغرافيا، وأعلنت مرارا دعمها لمنح العضوية لليابان والهند، مع إمكانية إضافة عدد قليل من الدول إلى فئة الأعضاء غير الدائمين، لكن هذا الموقف الأمريكي تغير مع إدارة ترامب.

قيود على الفيتو

فضلا عن زيادة عدد الأعضاء سواء الدائمين أو غير الدائمين، فإن من الإصلاحات المطلوبة لمجلس الأمن وضع قيود على استخدام حق النقض الفيتو، بحيث لا يستخدمه أي عضو أكثر من 3 مرات في العام مثلا، أو عرض القرار الذي تعطل بسبب الفيتو على الجمعية العامة لتمريره بأغلبية كبيرة (75% من الأعضاء مثلا)، وليصبح بهذا الشكل قرارا واجب النفاذ، وليس مجرد توصية، فليس منطقيا أن تجمع كل الدول، أو غالبيتها العظمى على أمر، ولا تستطيع التنفيذ بسبب فيتو واحد، كما يحدث مع القضية الفلسطينية، حيث استخدمت واشنطن حق الفيتو حوالي مئة مرة طوال العقود الماضية ضد قرارات لوقف اعتداءات إسرائيلية، أو دعم حقوق فلسطينية، واستخدمته 6 مرات منذ انطلاق طوفان الأقصى ضد قرارات لوقف حرب الإبادة والتجويع.

تواجه الأمم المتحدة مشكلة مالية بسبب امتناع العديد من الأعضاء عن دفع اشتراكاتهم السنوية، وكان آخر الممتنعين الولايات المتحدة، وهو ما يهدد بقاء المنظمة الدولية، التي تبحث الآن خططا لتقليص نفقاتها، ونقل بعض مكاتبها من نيويورك إلى عواصم أفريقية أو آسيوية.

رغم كل عيوبها ونواقصها تظل الأمم المتحدة هي الكيان الدولي المتاح للحوار بين الدول، وتمهيد الطرق لحل بعض النزاعات، والتعبير عن الإرادة الدولية اتجاه القضايا المختلفة، يمكن السعي لتكوين إطار بديل أكثر فاعلية وعدالة، ولكن حتى ذلك الحين فليس من الحكمة هدمها في الوقت الحالي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان