مغتربون خارج المعادلة: كيف أُقصي العراقيون في الخارج من الانتخابات؟

أجواء انتخابية في الداخل، وحرمان من التصويت في الخارج (الفرنسية)

في استحقاق 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وجد ملايين العراقيين المقيمين خارج البلاد أنفسهم مُستبعدين تمامًا من المشاركة في العملية الانتخابية. فبعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن التصويت سيكون حصريًا داخل العراق، غاب أي تمثيل رسمي للجاليات العراقية الواسعة المنتشرة في أكثر من خمسين دولة، دون توفير بدائل مثل التصويت الإلكتروني أو عبر السفارات.

القرار لم يكن مفاجئًا تمامًا، فقد تم التمهيد له منذ الانتخابات السابقة عام 2021، حين أُقرّ عمليًا بتجميد المشاركة الخارجية بحجة “صعوبة تأمين نزاهة الاقتراع”، و”البيئة التشريعية غير الجاهزة”، و”ضعف التنسيق مع الدول المضيفة”. لكن هذه الحجج لم تُقنع الكثيرين، خاصة مع توفر نماذج عربية ودولية عديدة تُمكّن المغتربين من التصويت بطرق آمنة وقانونية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تتزايد التساؤلات: هل هو قرار إداري أم توجّه سياسي متعمّد لعزل هذه الشريحة الفاعلة التي قد تُغيّر من موازين القوى؟ فغالبية العراقيين في الخارج يتمتعون بمستوى وعي سياسي أعلى، واستقلالية نسبية عن الضغوط والولاءات المحلية، ما يجعل أصواتهم غير قابلة للتوقع، وربما مزعجة لقوى النفوذ المسيطرة.

رأي عام متروك…

والإقصاء يؤدي إلى مسارات بديلة

في قلب هذا الإقصاء، تظهر معضلة أخرى أكثر عمقًا: حين يُغلق باب الاقتراع أمام شريحة وازنة من المواطنين، فهل يُنتظر منهم الخنوع؟ أم أن منطق البحث عن بدائل يفرض نفسه؟ كثير من العراقيين في أوروبا وتركيا والأردن والخليج باتوا يناقشون، بصراحة، خيارات الضغط السياسي من الخارج، سواء عبر حملات قانونية أمام الهيئات الأممية، أو من خلال الإعلام، أو حتى بتكوين كيانات تمثيلية موازية.

في هذا السياق، تتعزز فكرة أن من يُحرم من آلية التمثيل السياسي قد يلجأ إلى بناء أدواته الخاصة. ومهما كانت هذه الأدوات رمزية أو غير رسمية، إلا أنها تُعبّر عن فجوة حقيقية بين الداخل والخارج، وعن مأزق عميق في شرعية النظام السياسي القائم، الذي يطالب الجميع بالانخراط، لكنه لا يضمن العدالة في شروط المشاركة.

كما أن هذه الفجوة قد تصبح منصة للمعارضة المنظمة، خاصة إذا ما شعر المغتربون بأن الحكومة القادمة لا تعبّر عن تطلعاتهم أو لا تلتفت لمعاناتهم، أو أنها جاءت على حساب تغييبهم المتعمّد. وهو ما قد يفتح باب التدويل، ليس فقط على مستوى القضية الانتخابية، بل على مستوى النظام السياسي برمّته.

أبعاد قانونية ودستورية..

هل سقط التمثيل؟

من الناحية الدستورية، يواجه قرار حرمان المغتربين من التصويت انتقادات متصاعدة، إذ ينص الدستور العراقي (المادة 20) على أن “للمواطنين، رجالًا ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، ومنها حق التصويت والانتخاب والترشيح”. ولا يشترط مكان الإقامة، بل يتحدث عن “المواطنة” كقاعدة قانونية جامعة.

ويؤكد مختصون أن استبعاد أي فئة على أساس مكان الإقامة يشكل خرقًا صريحًا لمبادئ العدالة والمساواة، ويُعرض العملية الانتخابية للطعن داخليًا ودوليًا. كما يُمكن للمغتربين، وخاصة من يحملون جنسيات مزدوجة، اللجوء إلى المحاكم الدولية أو إلى الدول المضيفة، باعتبار أن حق الاقتراع مرتبط بمبادئ حقوق الإنسان الأساسية المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية التي وقّع عليها العراق.

ولم يُسجل أي توجه جاد من البرلمان أو الحكومة أو المفوضية لتعديل الوضع، بل جرى تطبيعه تدريجيًا، وكأن المواطن المقيم خارج البلاد لا صلة له بمستقبلها السياسي، أو كأنه مواطن من الدرجة الثانية، رغم نجاحه في إعلاء اسم العراق خارجيًا.

بين الإنكار والتحدي..

هل تتأثر شرعية الانتخابات؟

قد يُقال إن نسبة المغتربين قليلة نسبيًا، ولن تؤثر في النتائج. لكن هذا المنطق، رغم تداوله، لا يصمد أمام الأرقام ولا القيم الديمقراطية. فوفق تقديرات رسمية وغير رسمية، يُقدّر عدد العراقيين في الخارج بما بين 4 إلى 6 ملايين نسمة، معظمهم في سن التصويت. أي أن كتلتهم الانتخابية تتراوح بين 10% و20% من مجموع الناخبين. وهذا رقم حاسم في دوائر كثيرة، خاصة إذا أُخذ بنظر الاعتبار أن الانتخابات تجري بنظام دوائر متعددة، وتنافس شديد في بعض المحافظات.

الأخطر من ذلك أن تغييبهم يُفقد العملية الانتخابية مصداقيتها الأخلاقية والدولية، ويمنح القوى المعترضة ذريعة إضافية للطعن في شرعية النتائج. كيف يُمكن لحكومة أن تدّعي تمثيل العراقيين كافة، وهي قد تجاهلت عمدًا شريحة بحجم جالية كاملة موزعة في خمس قارات؟

السكوت عن هذا الغبن قد لا يطول. ومع اتساع أدوات التعبير الرقمي، وتعاظم الوعي السياسي في أوساط النخب المهاجرة، يصبح الصمت أقل احتمالًا، وتتزايد فرص الاحتجاج المنظم، والتدويل السياسي، وربما حتى التشكيك الدولي بشرعية البرلمان الجديد إذا لم يُؤسس على تمثيل شامل لكل العراقيين.

صراع الداخل والخارج يتشكل من جديد

انتخابات نوفمبر 2025، رغم الهدوء الظاهري، تُخفي عاصفة سياسية كامنة. لقد بدأت ترتسم ملامح معارضة عراقية “خارج الحدود”، قوامها: النخب، والمثقفون، والأكاديميون، والحقوقيون، وأبناء المدن المهجّرة، ممن وجدوا في الغربة متنفسًا، لكنهم ما زالوا يحملون وطنًا في قلوبهم.

إن حرمان هؤلاء من التصويت ليس مجرد إجراء تقني، بل هو خطأ سياسي جسيم، يُمكن أن يتحول إلى مأزق استراتيجي للحكومة القادمة. فإقصاء الوعي، وتهميش الفئات القادرة على التغيير، لا يعني السيطرة على النتائج، بل يعني فقدان شرعية الحكم أمام التاريخ.

هل تعي بغداد الدرس قبل فوات الأوان؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان