كيف شكّلت إسرائيل شبكة من المثقفين المزورين؟!
خبراء الكذب وصناعة الخوف من الإسلام

تشكل شبكة خبراء الكذب خطرا على العالم كله، سيظهر أثره قريبا، فهم يقومون بعملية تضليل للمجتمعات بهدف تبرير السياسات العدوانية وقهر الشعوب.
وهؤلاء الخبراء يمتلكون سلطة معرفية أو إعلامية أو أكاديمية، ويستخدمونها لتبرير سياسات ظالمة أو لتزييف الحقائق وإقناع الجماهير برواية زائفة من خلال توظيف أدوات الدعاية والخداع.
وتضم هذه الشبكة الكثير من المثقفين الذين يمتلكون المؤهلات والقدرات العالية، لكنهم يبيعون ضمائرهم بالمال، ويحولون علمهم إلى وسيلة للتضليل.
لذلك يحتاج العالم إلى تعريف جديد للمثقف يقوم على دوره في تحقيق العدل ومقاومة الظلم والدفاع عن الحرية والالتزام بالصدق، فهناك الكثير ممن استخدموا مهاراتهم في تزييف وعي الشعوب ودفعها للخضوع للسلطة والتخلي عن الحرية بهدف الحفاظ على الأمن والاستقرار.
صناعة الخوف من الإسلام
ولقد أطلق المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس عليهم «المثقفون المزورون» أو المغالطون، وقدّم الكثير من النماذج التي استُغلت منابرها الإعلامية لتبرير السياسات الإسرائيلية.
وبالرغم من أنهم يمتلكون القدرات والمؤهلات العلمية، لا يمكن أن نعدهم مثقفين حقيقيين -طبقا لتعريف إدوارد سعيد-، فالمثقف هو من يقول الحقيقة في وجه القوة، لا من يقول ما تريده القوة.
ولقد انتشر خبراء الكذب في الكثير من وسائل الإعلام لتبرير الجرائم ضد الإنسانية التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي، وتشويه صورة المقاومة الفلسطينية، وتوجيه اللوم إلى الضحية، وتزييف الحقائق عن التاريخ الإسلامي.
لقد استخدمت السلطات بعض المثقفين لخدمة خطاب معادٍ للإسلام والمسلمين، ويطلق بونيفاس مصطلح «لوبي المثقفين المزورين» على الذين يدعمون إسرائيل ويهاجمون الإسلام، وهو “لوبي” يضم الكثير من المثقفين المرتزقة الذين يستخدمون معرفتهم مقابل مكاسب شخصية مثل المال والنفوذ والشهرة.
والمثقف المرتزق أداة للدعاية السياسية، فهو لا يبحث عن الحقيقة، ولكنه يعمل على تضخيم خطر الإسلام وربطه بالإرهاب وتبرير الحروب ضده، وشرعنة الاحتلال الإسرائيلي وتشويه خصوم النظام.
ويقول بونيفاس إن بعض المثقفين يصنعون عدوا وهميا ثم يقدمون أنفسهم بصفتهم خبراء في مواجهته.. وهم أصدقاء للسلطة وأعداء للحقيقة.
والإعلام الغربي فتح الباب واسعا أمام هذه الفئة لتقديم خطاب مبسّط، لتشويه الخصوم واتهامهم بالإرهاب والتطرف والعداء للسامية.
لذلك أصبح هؤلاء المثقفون يشكلون خطرا على الديموقراطية وتهديدا للوعي العام، وأداة تضليل جماعي، ووسيلة لتبرير الاحتلال الإسرائيلي.
يضيف بونيفاس أن المثقف المرتزق هو من باع عقله لمن يدفع أكثر، ولقد أصبح تضخيم خطر الإسلام صناعة قائمة بذاتها، حيث خُلقت سوق واسعة للخبراء الأمنيين في وسائل الإعلام، وكلما كان الخطر كبيرا في الخيال العام ارتفعت قيمة هؤلاء الخبراء.
ويمارس المثقفون المرتزقة الدمج القسري بين الإسلام والإرهاب، رغم أن أغلب ضحايا الإرهاب هم من المسلمين أنفسهم، والإسلام الأوروبي أكثر سلمية من كثير من الحركات المتطرفة الغربية.
يقول بونيفاس إن الهدف من تضخيم خطر الإسلام هو خلق حالة رعب في المجتمع، وتوجيه الرأي العام لدعم التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط، وإضعاف الأصوات النقدية التي تدعو لفهم أعمق للعالم الإسلامي.
ويبني المثقفون المرتزقة خطابهم على فكرة أن الإسلام دين لا يتوافق مع الحضارة الغربية والديمقراطية.
والمثقف المرتزق يهاجم الإسلام، ويبرر التدخلات العسكرية، ويقدم نفسه خبيرا في الإرهاب دون أسس علمية، ويستخدم الإعلام لبناء سردية تخدم مصالح إسرائيل.
ولتضخيم خطر الإسلام يستثمر “لوبي” المثقفين المرتزقة جهل الشعوب، ويدّعون الدفاع عن الأمن القومي، ويقومون بنشر أفكار عنصرية ضد المسلمين.
كما يسهمون في خلق كراهية عالمية ضد المسلمين، ويشرعنون سياسات عدائية ضد الإسلام، ويؤدّون دور المنظّر الأيديولوجي للحروب.
ويمثل مفهوم صناعة الخوف من الإسلام أبرز التحولات الفكرية والسياسية في الغرب خلال العقود الأخيرة، حيث أصبح الإسلام والمسلمون محورا لخطابات عامة وأكاديمية وإعلامية تمارس التأثير في تشكيل الرأي العام وتوجيه السياسات الخارجية والداخلية.
وأصبح بعض المثقفين والإعلاميين «وسطاء أيديولوجيين» ينتجون صورا مشوهة عن الإسلام، متجاوزين بذلك قواعد البحث العلمي.
إنتاج العدو الوهمي
والنخب السياسية في الغرب تحتاج دوما إلى عدو يبرر ميزانيات التسلح والعدوان على الشعوب الضعيفة والهيمنة الثقافية، وتحقيق تماسك المجتمعات الغربية.
وتقديم الإسلام كعدو جاء نتيجة تحالف بين السياسيين الغربيين و”اللوبيات” المؤيدة لإسرائيل والمثقفين والإعلاميين الذين قدّموا الإسلام كتهديد وجودي للغرب.
والمثقفون المزورون يتهمون كل من ينتقد إسرائيل بالعداء للسامية، ويقومون بشيطنة الإسلاميين لتبرير السياسات الإسرائيلية.
ويصورون إسرائيل بأنها خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في مواجهة الإسلام؛ وبتضخيم صورة «الخطر الإسلامي» يتم شرعنة تحويل مليارات من الدعم الأميركي والأوروبي لإسرائيل بوصفها دولة تواجه العدو المشترك.
وتشارك اللوبيات المؤيدة لإسرائيل بقوة في صناعة الإسلاموفوبيا لأن العدو المشترك يوحّد الغرب خلف إسرائيل؛ فكلما كبر الخوف من الإسلام أصبح المجتمع الغربي أقرب إلى دعم السياسات الإسرائيلية، ومعاداة الفلسطينيين، ورؤية الشرق الأوسط عبر منظور الحرب على الإرهاب. وهذا يساعد إسرائيل على كسب التعاطف الدولي وإخفاء جرائمها.
ويقول بونيفاس إن كثيرا من المنابر الإعلامية الكبرى في فرنسا وأوروبا تمنح مساحة واسعة لتحليلات مؤيدين لإسرائيل يقدمون الإسلام كتهديد، ويربطون الإسلام بالعنف، ويتجنبون ذكر الجرائم الإسرائيلية، كما يشن المثقفون المرتزقة الهجوم على الأكاديميين الفلسطينيين، وعلى كل من يعارض الاحتلال الإسرائيلي.
إن الخوف من الإسلام في الغرب صناعة تقوم بها الدوائر الموالية لإسرائيل لإخفاء حقيقة الاحتلال، ولتحويل المسلمين إلى عدو دائم.
وهناك شبكة من الكُتاب والمحللين يتم تقديمهم كخبراء للدفاع عن إسرائيل ولربط الإسلام بالعنف.
ويشير بونيفاس إلى أن هذا التحالف بين الإعلام المؤيد لإسرائيل والخطاب المعادي للإسلام يشكل أقوى ماكينة دعائية في أوروبا، والمثقفون المرتزقة يقودون أكبر عملية تضليل فكري في العالم.
