أوروبا على صفيح ساخن.. فضيحة فساد أوكرانيا تهز برلين وتربك زيلينسكي

زيلينسكي قال إنه يريد نهاية عادلة للحرب بين أوكرانيا وروسيا
زيلينسكي (رويترز)

فضيحة فساد كبيرة هزت الأوساط الأوروبية الداعمة لأوكرانيا بالأموال السخية منذ بداية الحرب، إذ تبيّن أن جزءًا من تلك الأموال يذهب إلى جيوب الفاسدين، وهو ما قد يدفع دافعي الضرائب في دول الاتحاد الأوروبي إلى السخط، ويزيد من عدد الرافضين لتلك الحرب التي استنزفت مواردهم المالية.

يوم الاثنين الماضي، فجَّر المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد (NABU)، الذي كان موضع انتقادات بسبب عدم الحسم في قضايا الفساد التي تشمل مسؤولين كبارًا في أوكرانيا، زلزالًا سياسيًّا واسعًا. فقد كشف، عبر تنفيذ 70 عملية دهم استهدفت رجال أعمال وشخصيات نافذة في قطاع الطاقة، عن وجود فساد واسع النطاق يضم ما وصفه بـ”منظمة إجرامية رفيعة المستوى” هدفت إلى اختلاس نحو 92.14 مليون يورو من قطاع الطاقة الذي يعاني أزمات متكررة بسبب الهجمات الروسية، وهو بحاجة ماسّة إلى أموال ومساعدات عاجلة. وكانت بريطانيا قد تعهدت بتقديم 15.35 مليون يورو، وألمانيا بـ40 مليون يورو لدعم قطاع الطاقة المتضرر، لكن هذه الفضيحة الكبرى قد تدفع الدولتين إلى إعادة النظر في مسألة المساعدة.

انزعاج ألماني من الفضيحة

غير أن ألمانيا، أكبر الداعمين لأوكرانيا، أبدت انزعاجًا شديدًا، إذ جاء على لسان المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفان كورنيليوس أن أوكرانيا يجب أن تعمل بقوة لمكافحة الفساد ومواصلة الإصلاحات، خصوصًا في مجال سيادة القانون. أما المستشار ميرتس، وهو من أبرز الداعمين لكييف، فيشعر بالحرج الشديد، إذ إن هذا الدعم المتواصل أسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في بلاده، ويعلم أن الناخب الألماني لن يغفر لحكومة أنفقت أموال الضرائب على حرب فاسدة ذهبت أموالها إلى جيوب الفاسدين. ورُصدت بحلول عام 2026 زيادة في قيمة المساعدات بقيمة 3 مليارات يورو ليصل إجمالي المساعدات منذ بداية الحرب إلى 11 مليارًا، لذلك طالب ميرتس نظيره الأوكراني بفتح تحقيق شامل، وشدد على ضرورة تنفيذ إصلاحات صارمة وضمان الشفافية.
في المقابل، قال المتحدث باسم الحكومة الألمانية إن أموال المساعدات الألمانية لم تتأثر بتلك الفضيحة، وأضاف متحدث باسم وزارة التنمية أنه لا توجد أي مؤشرات على أن أموال الدعم الألمانية كانت متورطة في هذه الأحداث.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وكان الرئيس الأوكراني زيلينسكي قد أطلع ميرتس على التحقيقات الجارية، ووعد بشفافية كاملة ودعم طويل الأمد للهيئات المستقلة لمكافحة الفساد، إضافة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة أخرى بهدف استعادة ثقة الشعب والاتحاد الأوروبي والممولين الدوليين. والممولون الدوليون هم مربط الفرس الذي يقلق زيلينسكي، فهو لم يُعرف له سوى صوره بالزي “الرياضي” الذي يرتديه دائمًا، ولا يتوقف عن السفر من دولة إلى أخرى لجمع الأموال، بينما نادرًا ما يزور الجبهة أو يكون بين جنوده.

مستقبل زيلينسكي السياسي على المحك

الأخطر في الأمر أن الاتهامات تشمل أحد المقربين منه، وهو تيمور منديتش، إذ يُشتبه في أنه أنشأ شبكة فساد ضخمة بلغ حجمها نحو 100 مليون دولار. يُذكر أن منديتش يملك شركة الإنتاج التلفزيوني “كفارتال 95” التي اشتهر من خلالها زيلينسكي قبل دخوله عالم السياسة. وتشير التقارير إلى أنه، قبل ظهور الفضيحة مباشرة، هرب إلى إسرائيل حيث يقيم حاليًّا.
أما وزيرة الطاقة سفيتلانا غرينتشوك وسلفها هيرمان هالوشينكو اللذان طالتهما الاتهامات، فقد قدَّما استقالتيهما، وتتهمهما النيابة الخاصة بمكافحة الفساد بتلقي رشاوى بمبالغ كبيرة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تؤثر هذه الفضيحة في مستقبل زيلينسكي السياسي وتطيح به؟ لا أحد يستطيع التكهن بذلك في الوقت الحالي، فهو معروف بحبه للبقاء وللأضواء، وهناك سوابق تؤكد ذلك.
فبعد أن كان متخلفًا في استطلاعات الرأي قبل الحرب عن سلفه بيترو بوروشينكو، تحوَّل بفضل قيادته ومناوراته السياسية في بداية الغزو الروسي إلى بطل قومي. وربما إذا استطاع تبرئة نفسه وتعامل بشفافية مع هذه الفضيحة، فقد يعود ذلك بالنفع السياسي عليه على المدى البعيد، بمعنى أن أمامه فرصة لمحاكمة صديقه المتهم منديتش الهارب إلى إسرائيل محاكمة غيابية، لأنها ستؤكد سيادة القانون وأن لا أحد فوقه.

أوربان ينتقد زيلينسكي وترامب يلتزم الصمت

وسط الصمت الأوروبي حيال الفضيحة، انتهز رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الفرصة، ووجَّه انتقادًا لاذعًا للرئيس الأوكراني زيلينسكي، وقال أوربان في رسالة على منصة إكس إن أوهام الاتحاد الأوروبي بأوكرانيا تتهاوى، وإن التحقيقات كشفت عن شبكة مافيا حرب ترتبط بصلات عدة بالرئيس زيلينسكي.

أوربان، الحليف المقرَّب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يبدو واثقًا من تنبؤاته، فهو يختلف منذ مدة طويلة مع نظرائه الأوروبيين بشأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وقد دخل مرارًا في صدامات مع زيلينسكي. كما أنه يعارض انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ويتهم بروكسل بإذكاء حرب كان ينبغي أن تعمل على إنهائها، في حين تحافظ بودابست على علاقات وثيقة مع موسكو.

من المعروف أن مكافحة الفساد في أوكرانيا كانت محورًا أساسيًّا في سياسة إدارة ترامب، وتشكل اليوم نقطة انتقاد رئيسية ضد زيلينسكي. أما الفضيحة الجديدة، فهي تهدد بتقويض الدعم الشعبي الأمريكي لأوكرانيا، وزعزعة الثقة بقيادة زيلينسكي، وتعريض المساعدات الأمريكية الحيوية للدفاع ضد الغزو الروسي للخطر. وقد أكد ترامب قبل أيام قليلة من انكشاف هذه الحقيقة أن الأسلحة لم تعد تُرسل إلى أوكرانيا مجانًا، وأن الأوروبيين هم من يدفعون ثمنها اليوم.

بشكل عام، تمثل هذه الفضيحة لحظة مفصلية في رئاسة زيلينسكي، وردّه على إجراءات هيئة مكافحة الفساد سيحدد ما إذا كانت هذه الأزمة ستعزز فرصه في إعادة الانتخاب أم ستقضي عليها، خصوصًا مع تزايد القلق الأوروبي والرغبة في النأي عن فضيحة قد تشمل الجميع بدعمهم لرئيس متهم بالفساد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان