غزة.. عدوان تحت غطاء التهدئة

في شارع معبَّد، تصطف على جانبيه أعمدة إنارة، على عكس شوارع غزة المدمرة، ومن مركبة نظيفة لا تحمل لوحة، يخرج شاب مرتديًا ثيابًا أنيقة ويحمل بندقية كلاشينكوف. يتوقف للحظة، ينظر مباشرة نحو الكاميرا المثبتة في الأعلى، ثم يبدأ بإطلاق النار. لحظة صمت قصيرة، تتبعها طلقات متتالية تنهال عليه، ليسقط على الأرض.
المشهد كله يبدو تمثيلية محكمة، أعدتها إسرائيل لتقديم رواية مفادها أن مسلحًا من حماس استهدف قواتها في جنوب غزة، ومن ثم تبدأ هجومًا دمويًّا على القطاع مخلّفًا أكثر من 23 شهيدًا وعشرات الجرحى. ذلك “الفيديو”، الذي قد تتضح حقيقته لاحقًا، يمثل الادعاء الذي بنت عليه إسرائيل روايتها أمام الوسطاء والمجتمع الدولي، محاولة تصوير المقاومة على أنها الطرف المخالف لاتفاق وقف إطلاق النار، بينما تشير الوقائع والملابسات إلى أن المشهد بعيد كل البعد عن أساليب المقاومة الواقعية ومصالحها الفعلية.
هدوء لا يحمل سوى اسمه
منذ الأيام الأولى التي تلت إعلان وقف إطلاق النار الأخير، بدا واضحًا أن الهدوء المعلن في غزة لا يحمل من الهدوء سوى اسمه. فلم يعد السؤال: متى ستعود الحرب؟ بل: هل توقفت الحرب أصلًا؟
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 2 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 3 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 4 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
تكشف المعطيات على الأرض أن العمليات العسكرية ارتدت ثوبًا مختلفًا في وتيرتها وشكلها. وبينما يحتفل ترامب بما يسميه إنجازًا في تحقيق السلام، يغض الطرف عن الخروق الإسرائيلية المتكررة، فلا عجب في ذلك، فهو من فتح الباب لإسرائيل لتتصرف كما تشاء دون حتى التحقق من مزاعمها بشأن خروق مزعومة نفذتها حماس.
وقد استغلت إسرائيل هذا التفويض بحرفية: اغتيالات مستهدفة لعدد من قادة حماس هنا، قصف موضعي هناك، ثم ارتداء معطف التهدئة الرسمي، ومعه الشكوى والتذمر أمام الوسطاء بأن حماس هي من اخترقت الهدنة.
وهكذا أصبح واضحًا أن الهدوء الذي انتظره الغزيون منذ عامين ما زال بعيد المنال، فالعمليات العسكرية والاغتيالات مستمرة بلا هوادة، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة أن عدد الشهداء منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بلغ 342 شهيدًا و800 جريح، بينهم 67 طفلًا. هذا الرقم يوضح أن ما يشهده القطاع حاليًّا ليس أقل قسوة من أيام الحرب المفتوحة قبل الإعلان عن الاتفاق، وكأن التهدئة جاءت فقط لتغطي على استمرار العدوان بشكل أنيق ومرتب.
المعادلة الجديدة لدى جيش الاحتلال تعتمد على مفهوم “الخط الأصفر” حدًّا فاصلًا هشًّا، تتوسع إسرائيل فيه كيفما تشاء دون احترام للخرائط المتفق عليها وفق اتفاق السلام، ومن ثَم يصبح أي تحرك قربه مبررًا للرد العسكري، مما يتيح للجيش تنفيذ عمليات استباقية دون إعلان حرب رسمي.
إعادة تشكيل الواقع بالقوة
يتقاطع هذا المشهد مع تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي شدَّد على ضرورة منح خطة ترامب فرصة قبل العودة إلى العمل العسكري إذا فشلت الجهود. وهنا يمكن تفسير عبارة “فشل الجهود” إلى عدم القدرة على نزع سلاح حماس وتصفية قادته، مما يستدعي تنفيذ عمليات “جز العشب”، وربما الإبقاء على خطط التهجير رغم قرار مجلس الأمن الرافض لها. ويتسق ذلك مع تصريح نتنياهو الأخير عن فتح معبر رفح في اتجاه واحد فقط، لندرك أن فكرة التهجير لا تزال حاضرة في ذهن الحكومة الإسرائيلية.
على مدار السنوات الماضية، اتسمت الاستراتيجية الإسرائيلية في غزة بالتركيز على التصعيد العسكري قبل الوصول إلى أي تسويات سياسية. ففي كل جولة صراع، تسبق العمليات الميدانية عادة حملة إعلامية تصوّر الإجراءات الإسرائيلية ردودا ضرورية على تهديدات متصوَّرة، مما يسهّل على الحكومة الإسرائيلية كسب الدعم الداخلي والدولي، أو على الأقل تلطيف النقد الموجَّه إليها.
إدارة المرحلة الثانية
لعل التفسير الأبرز لتصعيد إسرائيل المتكرر في غزة يرتبط بمحاولتها تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تنص على انسحاب قوات الاحتلال من مناطق داخل القطاع والانتقال من “الخط الأصفر” إلى “الخط الأحمر”. ويرى الاحتلال في هذا الانسحاب تهديدًا لقدرة الجيش على التحرك وتقليصًا لسيطرته الميدانية، وهو ما يَعُده خطرًا مباشرًا على استراتيجيته في استكمال ما بدأه منذ عامين في القضاء على المقاومة وتقليص مساحة القطاع، وربما تقسيمه إلى مناطق يسهل التحكم فيها أمنيًّا.
وفي هذا السياق، شكَّل المجلس الأمني المصغر طاقمًا وزاريًّا لإدارة المرحلة الثانية من وقف الحرب، يضم وزراء يمينيين متشددين. ويهدف الطاقم إلى فرض سيطرة أمنية مستمرة على غزة حتى أثناء التهدئة، مع التركيز على نزع سلاح حماس، وإدارة أي مفاوضات مستقبلية من موقع قوة.
هذا التوجه يؤكد أن المرحلة الثانية ليست وقفًا للحرب، بل استمرارًا لها بأسلوب أكثر تنظيمًا، لضمان إبقاء غزة تحت ضغط دائم واستنزاف مستمر.
ولذلك يعمل جيش الاحتلال على إبقاء التوتر قائمًا، وخلق بيئة غير مستقرة تبرّر فيها استمرار تموضع قواتها بحجة وجود تهديدات أمنية تحول دون الانسحاب. بهذه الطريقة، تؤجل إسرائيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وتبقي السيطرة العملية على الأرض بيدها، مما يعطل أي خطوات تؤدي إلى استقرار فعلي في القطاع.
المقاومة بين الردع وتجنب التصعيد
تحاول المقاومة في غزة الحفاظ على توازن دقيق بعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستغلها إسرائيل لشن حرب واسعة. فهي ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، لكنها في الوقت نفسه دعت الوسطاء إلى كبح جنون نتنياهو وحزبه المتطرف، حفاظًا على أرواح المدنيين وتشجيعًا على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، تلك المرحلة التي تبدو بعيدة وفق ما نراه من تصعيد إسرائيلي وخرق للتهدئة.
لكن الأخطر من ذلك أن خيارات الحرب المفتوحة ما زالت ضمن أولويات إسرائيل، ليس فقط في غزة، بل في جبهة لبنان مع استمرار الهجمات على الجنوب، ترافقها تصريحات إعلامية عبرية تشير إلى مخاوف من تهديدات إيرانية جديدة.
المؤكد أن هذه الاستراتيجية التي ينتهجها الكيان تعتمد على التهديد المتعدد المستويات، بحيث يبقي مرونة العمل العسكري والسياسي قائمة، لكنه في ذات الوقت يضع خصومه في حالة توجس دائم، سواء في غزة أو على حدود لبنان أو في الساحة الإقليمية الأوسع.
