لماذا ترى الصين بلادنا أسواقا لا شبكة تحالفات عسكرية؟

شاشة تعرض تغطية إخبارية للاجتماع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية، خارج مركز تجاري، في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (الفرنسية)

منذ ابتُلي العرب بتقسيم وطنهم وفق مخطط «سايكس – بيكو»، اعتادوا على مدى قرن ونيف البحث عن معين من خارج دوائرهم يقوي شكوكهم ضد أعدائهم، وكثيرا ما يستعينون بهم على بني جلدتهم بعد أن فرقتهم أهواؤهم وتشتت قلوبهم. فعلى مر العقود الماضية، لم يتغير المشهد كثيرا، رغم اختلاف القوى الحاكمة للعبة من الخارج، من فرنسيين وإنجليز وروس وأمريكان، وأخيرا يراهن الساسة الجدد على أن تكون الصين هي القوة الراعية لهم ولأنظمتهم، في مواجهة الغول الأمريكي الذي يهددهم وشعوبهم.

وجّه بعض هؤلاء قلوبهم شطر الصين منذ مؤتمر باندونغ 1955، لإقامة تحالف دول «عدم الانحياز» الذي تحوَّل إلى محفل منحاز للشرق في صراعه مع الغرب، فمات بالسكتة الدماغية لسنوات، إلى أن بدأت بيجين توظيفه مع صعودها الحديث، ليصبح تجمعا لدول الجنوب في مواجهة الغرب، ومع ذلك لا تبدو له قيمة كبرى إلا عند التصويت على قضايا كبرى بالجمعية العامة للأمم المتحدة.

بوابة الغرباء

ما لا يدركه العرب أن علاقات الصين بـ«الغرباء» وهم كل بشر خارجها وفقا لمفهومهم القومي، لا تحددها أهداف سياسية، لأن البوابة التي ربطت الصين بالعالم تدرك شفراتها عند قراءة تاريخها التجاري. والقراءة العميقة يلخصها المؤرخ الاقتصادي الصيني لي بو تشونغ، أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة بيجين، في دراسة حديثة كتبها عند بلوغه 76 عاما، بعد أن أمضى جل حياته المهنية في الجمع بين البحث الأكاديمي وتتبع علاقة العمالة والأرض والتكنولوجيا وتشكيلها للاقتصاد الصيني، ودور الأنشطة الاقتصادية في صياغة التاريخ وعلاقة الصين قبل العولمة الحديثة بالأمم المختلفة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تُظهر دراسة «لي» أن علاقات الصين الخارجية على مدار 15 قرنا، عبر الأسر الإمبراطورية والأنظمة الحاكمة لدولة قومية قوية، بُنيت على التجارة، وليست مدفوعة بقوة الجيوش ولا بالحملات العسكرية، ولم تقم على طريق الحرير البري الذي ربط الصين بالعرب وأوروبا. ويقول «لي» إن ارتباط الصين بغيرها تم بتجارة الفضة والتوابل والحرير والخزف والقطن، عبر التجار العرب والفرس واليابانيين والصينيين، وهذا الترابط التجاري الممتد صاغ هويتها العالمية، وفرض عليها الانخراط مع الآخر والانفتاح على العالم عبر الزمن.

يشير «لي» إلى أن تحوّل الصين عن طريق الحرير البري ذائع الصيت في المخيلة الشعبية دوليا حدث لأن دوره الاقتصادي الفعلي كان محدودا وهشا للغاية، حيث يمر عبر الجبال والصحاري والسهوب في بيئات خطرة تعج بالعواصف واللصوص وانعدام الأمن، وفي الوقت نفسه بعيد عن السيطرة المركزية للدولة. لذا كان البدء الحاسم بالارتباط البحري بين سواحل الصين وجنوب آسيا والمحيط الهندي خلال الفترة من 420 – 589 ميلادي، إلى أن أصبحت مدينة «جوانزو» مركزا لتجمعات ضخمة من التجار المسلمين والفرس واليهود والمسيحيين والزرادشتيين، وهو ما يثبت الانفتاح البحري للصين قبل أوروبا بقرون.

إرادة الصين

يقول الخبير الصيني إنه حتى عهد أسرة مينغ (1368 – 1644) كان التجار العرب والفرس والهنود محرّكي التجارة البحرية للصين، حيث امتلكوا سفنا وقادوا أساطيل ضخمة وشكلوا شبكات معقدة للتبادل التجاري، وبدأ ذلك يتغير تدريجيا مع الأسرة الحاكمة التالية، حيث بدأ التجار الصينيون يستعيدون السيطرة تزامنا مع تحولات أعمق في الشركاء والسلع. ولهذا أصبحت اليابان الشريك التجاري الأول بسبب طفرة إنتاج الفضة، ثم إسبانيا التي هيمنت على 80% من إنتاج الفضة عالميا، التي أصبحت بالنسبة للصين عملة وطنية وأهم من التوابل.

يفسر «لي» أسباب إقبال الصين على أوروبا خلال القرنين 16 و17 بأنها أصبحت مصدرا كبيرا للأقمشة والحرير الفاخر، ثم الولايات المتحدة في القرنين 18 و19، إلى أن انتكست تلك العلاقة بسبب إنتاج البريطانيين للأقمشة الرخيصة في الهند، والرسوم العقابية التي فُرضت على بضائعها، وتوظيف الغرب ثورته الصناعية في ضرب المنتجات الصينية وكسر قواعد النظام التجاري الدولي وفرض إرادته على بيجين بالقوة.

نفوذ الثروة والجيوش

الفكرة المركزية التي يروج لها لي بو تشونغ هي أن الصين بنت نفوذها تاريخيا عبر الأسواق، لا عبر الجيوش، وهذا يظهر أثره اليوم عندما نراها تحولت إلى أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، وبدلا من بناء تحالفات عسكرية تعمل على إدخال شركاتها لبناء الطرق والموانئ والمجمعات الصناعية، والبنوك لتمويل التجارة مع الدول باليوان. فهي تثبت نفوذها عبر السلع وسلاسل القيمة لا عبر القواعد العسكرية، كما فعلت الدول الغربية التي مهدت لاستعمار العالم منذ القرن السادس عشر. هذا النموذج يبني قوة اقتصادية تخشى الصدام، ويستمد قوته من الاستقرار والتدفق التجاري، ويبتعد عن التصعيد والتوتر العسكري.

قوة صاعدة

ترى الصين العالم شبكة من الأسواق التجارية، لا شبكة تحالفات عسكرية أو دينية أو جغرافية، لأن العقيدة الوطنية قائمة على أنهم شعب متفرد في ذاته تجمعه الأرض واللغة والعرق الأصفر، التي تشكل الثالوث المقدس لشخصية كل صيني. وعندما ترصد توجهات الصين من هذه الزاوية ستدرك لماذا تسعى إلى ترويض خصومها دون مواجهتهم، كما تفعل مع الرئيس الأمريكي ترامب.

فالصين تراهن على «قوة السوق» وليس القوة العسكرية لإعادة تشكيل العلاقات. وتعتمد على الاستثمار والتمويل والإنتاج والإبداع التكنولوجي والتجارة، على عكس روسيا التي تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري في مواجهة التحالفات الغربية. وهي تراهن على أن «الصدام مع شريك تجاري كبير يصبح مكلفا جدا».

تبدو الصين قوة عالمية صاعدة، ولكنها تتصرف بعقلية التاجر القديم الذي يرى أن السوق أكثر فاعلية واستدامة من الجيوش، وأنها ستتفوق على أمريكا إذا فازت بالمعركة الاقتصادية لا العسكرية، ولذلك تتجنب مواجهة دولة تملك قوة عسكرية غاشمة وتحالفات دولية واسعة وتكنولوجيا متقدمة.

على العرب أن يوقنوا بأن الصين لن تحارب من أجلهم، لأنها تخلق لنفسها مجالا اقتصاديا في بلدانهم دون أن تصطدم بأحد. عليهم أن يبحثوا عن مخرج لأزماتهم بأيديهم لا عن مخبأ لهم في بيجين.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان