شتاء دافئ لأوكرانيا.. الخطة الأمريكية للسلام المربح

زيلينسكي قال إن على أوكرانيا أن تختار بين فقد الكرامة أو فقد حليف رئيسي
زيلينسكي (رويترز)

(1) خطة ترامب ستنفذ حتمًا

كتب الأكاديمي الأمريكي المرموق جون ج. ميرشايمر مقالًا مطولًا في مجلة «فورين أفيرز» (عدد سبتمبر – أكتوبر 2024) بعنوان: «لماذا الأزمة الأوكرانية هي خطأ الغرب؟»، يفنّد فيه ادعاءات الغرب بأن مسؤولية الأزمة الأوكرانية تقع على عاتق روسيا، بل يرى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عن تفجّر الأزمة.

والسبب الجوهري – من وجهة نظره – هو توسع «حلف الناتو» شرقًا ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إخراج أوكرانيا من الفلك الروسي ودمجها في الغرب. كما أن دعم الغرب للحركات المناصرة للديمقراطية – وخاصة «الثورة البرتقالية» عام 2004 – كان من العوامل الحاسمة في تصعيد التوتر.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ويشير ميرشايمر إلى أن القادة الروس، منذ منتصف التسعينيات، عبّروا بوضوح عن رفضهم القاطع لتوسع الناتو، وأنهم لن يسمحوا بتحوّل أوكرانيا – الدولة الحيوية بالنسبة لروسيا – إلى قاعدة عسكرية غربية. ويؤكد أن بوتين اعتبر الإطاحة برئيس منتخب وموالٍ لروسيا «انقلابًا» غير قانوني، وكانت تلك هي «القشة التي قصمت ظهر البعير»، فاستولى على شبه جزيرة القرم خشية أن تصبح قاعدة للناتو، وسعى لزعزعة استقرار أوكرانيا إلى أن تتوقف عن محاولة الانضمام للغرب.

يقول ميرشايمر إن ردّ فعل بوتين لم يكن مفاجئًا؛ فالولايات المتحدة كانت تتدخل في المجال الحيوي لروسيا وتهدد مصالحها الأساسية، وهذا ما حذّر منه بوتين مرارًا. لكنّ صانعي السياسات في الغرب – برأي ميرشايمر – فشلوا في إدراك ذلك لأنهم أسرى رؤية ليبرالية خاطئة؛ تفترض أن «الواقعية السياسية» لم تعد ذات صلة في القرن الحادي والعشرين، وأن النظام الدولي يمكن إدارته بالقانون والاعتماد الاقتصادي المتبادل ونشر الديمقراطية.

بعد اندلاع الأزمة، لجأ كثيرون في الغرب إلى تصوير بوتين كقائد غير عقلاني أو كنسخة جديدة من هتلر. لكن ميرشايمر يرفض هذا الطرح، ويؤكد أن بوتين قائد عقلاني واستراتيجي، وأن سلوكه دفاعي في جوهره وليس توسعيًا.

قدّم الكاتب في مقاله حلولًا لهذه الأزمة، تقترب كثيرًا من رؤية خطة ترامب لإحلال السلام في أوكرانيا. لكن ثمة فرق كبير بين رأي كاتب وقرار رئيس أقوى دولة في العالم؛ فالأول يظل مجرد وجهة نظر، بينما يتحول الثاني إلى خطة عمل تُنفذ بمنطق القوة والنفوذ والقدرة على فرض واقع جديد.

(2) الاقتصاد يقود السياسة

لا يهتم الرئيس الأمريكي ترامب كثيرًا بالتحالفات التقليدية التي قد تأتي على حساب بلاده وتستنزف مواردها. فقد صرّح أكثر من مرة أن بلاده كانت محل استغلال من حلفائها، وأنها أنفقت كثيرًا للدفاع عنهم، وحان الوقت لأن يتغير هذا الوضع، وأن لا يخوض الجيش الأمريكي معارك إلا دفاعًا عن مصالح البلاد المباشرة.

بينما تنظر معظم دول الاتحاد الأوروبي ذات الثقل إلى الحرب في أوكرانيا على أنها تمس أمنها القومي وتوازن القوى في القارة العجوز، ينظر إليها ترامب على أنها مضيعة للوقت والمال. وهو يرى أن السلام بين روسيا وأوكرانيا يفيد بلاده أكثر بكثير من استمرار الحرب، وعينه دائمًا على الفرص المتاحة.

في 30 أبريل الماضي، وقّعت أوكرانيا اتفاقية تمنح أمريكا وصولًا تفضيليًا إلى الموارد المعدنية الأوكرانية، وتتضمن إنشاء صندوق استثمار مشترك لإعادة الإعمار يتم تمويله جزئيًا من عائدات تلك الموارد، كتقدير للدعم المالي والعسكري الأمريكي.

ووفقًا لصحيفة «فاينانشال تايمز»، تقترح خطة ترامب للسلام استثمار أصول روسية مجمدة بقيمة 100 مليار دولار في مشاريع إعمار أوكرانيا، مع حصول الولايات المتحدة على 50% من الأرباح الناتجة. وفي الوقت نفسه، ستُخصص الدول الأوروبية 100 مليار دولار أخرى لإعمار أوكرانيا، بينما ستذهب الأموال المجمدة المتبقية إلى مشاريع مشتركة أمريكية – روسية!.

وزعمت مصادر للصحيفة أن التخلي عن «الأموال الروسية الموجودة تحت ولاياتها القضائية لصالح الولايات المتحدة وروسيا» يعتبر أمرًا لا يمكن تصوره للدول الأوروبية، لكنها قد تغير رأيها تحت الضغط الأمريكي.

وفقًا للخطة الأمريكية، ستتنازل أوكرانيا عن أراضٍ لروسيا، وستعترف أمريكا وأوروبا بهذا الواقع الجديد. وستضمن أمريكا أمن أوكرانيا لفترة طويلة، وفي حال حدوث أي اعتداء جديد من روسيا على الأراضي الأوكرانية المتبقية، سيُعد ذلك إعلان حرب على حلف الناتو وسيقوم بالرد عليه عسكريًا.

(3) سيولة النظام الدولي

يبدو الموقف الأمريكي الحالي من الأزمة الأوكرانية متعارضًا مع موقف الحلفاء الأوروبيين، وهو ما يدفعنا إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات الدولية؛ فلم تعد تُبنى على تحالفات متينة قائمة على هوية أو قيم متقاربة فقط، بل غالبًا ما تُقام على حسابات المصالح التي تتغير مع الزمن. وهو ما يمكن أن نطلق عليه «التحالفات السائلة» نتيجة تقلّب المصالح الأمنية والاقتصادية.

والنظام السياسي الدولي الآن يتشكل وفق هذه الرؤية، من خلال قوى عالمية متغيرة تؤثر في كيفية بناء التحالفات. فتوازن القوى لم يعد يتشكل بناءً على الأيديولوجيات، بل على مصالح الأطراف.

لم تعد الأزمة الأوكرانية مجرد صراع حدودي، بل تحولت إلى محكّ حقيقي كشف عن تحوّلات عميقة في بنية النظام الدولي. فمن جهة، تبرز «الواقعية الترامبية» بمنطقها الاقتصادي الصارم، مستعدة لتقديم تنازلات جيوسياسية مقابل مكاسب مادية وتوسع في الهيمنة، حتى لو كان الثمن هو إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا وتهميش الحلفاء التقليديين. ومن جهة أخرى، يُجبر هذا المنحى الاتحاد الأوروبي على مراجعة وجودية شاملة؛ فإما أن يتحول إلى لاعب استراتيجي مستقل قادر على الدفاع عن مصالحه بأدواته، وإما أن يظل تابعًا لتقلبات السياسة الأمريكية.

وفي الخلفية من كل هذا، يتراجع مشروع «النظام الليبرالي العالمي» لصالح نموذج أكثر مرونة وسيولة، قائم على تحالفات مؤقتة ومتقلبة نتيجة المصالح المتقاطعة. فإذا نجحت الخطة الأمريكية في فرض سلامها، فلن تشهد أوكرانيا شتاءً دافئًا فحسب، بل قد نشهد بداية لعقد جيوسياسي جديد، تُحدد معالمه الصفقات أكثر من المبادئ، وتكون فيه القوة الاقتصادية هي السلاح الأقدر على فرض الوقائع وترسيم الحدود، وربما تتحقق انفراجة بين أمريكا وإيران بناء على هذه النتائج، تتحقق بها مصالح أمريكية على حساب الأهداف الإسرائيلية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان