حرب السودان: جذور التمرد واغتيال الزعامة التقليدية

في هذا المقال تحضرني مجموعة وقائع مرتبطة بحرب السودان ومآلاتها. وفي هذه السطور سأسلط الضوء على أولى علامات استشعار الخطر الذي وقع على أهل السودان. فمنذ عام 2013م، بدأت ظواهر الخروج على القانون والنظام بممارسات مجموعة من «الدعم السريع» في حاضرة ولاية شمال كردفان، مدينة الأبيض، حيث ظهرت ممارستهم لبعض الظواهر السيئة فكانوا يأكلون من المطاعم ولا يدفعون قيمة الأكل ويعتدون على الضعفاء والنساء بالنهب والسلب ويهددون المواطنين. وقد خرج الجمهور في مظاهرات ضد تلك الأفعال، مما استدعى أن يتدخل والي الولاية وقتها، وهو بحكم موقعه رئيسًا للجنة الأمن. فتدخل بقوة وأنذر المجموعة بالخروج من الأبيض خلال ساعات، وإلا فله معهم موقف آخر للحسم. فما كان منهم إلا الخروج من عاصمة كردفان صاغرين ذليلين.
وفي مسيرهم نحو جنوب دارفور علم بخروجهم الأمير الراحل رجل الإدارة الأهلية عبد القادر منعم منصور، أمير أمراء السودان رحمه الله. فما كان منه، لكونه رجلًا قوميًّا اختارته الإدارة الأهلية بالإجماع، إلا أن استقبلهم خارج أسوار مدينة النهود على بعد كيلومترين، بالبشر والترحاب والبشاشة وطلاقة الوجه والكرم الفياض، ونحر لهم من النوق الأصيلة حتى بلغ عددها اثنتي عشرة من العشار الحمرية، لكونهم «أولاد قبائل» أتوا مارّين بداره. فأكرمهم كما تمليه عليه مبادئ تشربها من أسلافه كابرًا عن كابر. مكثوا معه في النهود ضيوفًا مُكرَّمين، ثم غادروا فرحين، وكأنهم نسوا ما حدث لهم في الأبيض مع والي الولاية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وحينما تمرد القوم، كان أول من اكتشف ظاهرة مكرهم رجل الإدارة الأهلية بولاية الخرطوم، المك عجيب الهادي رحمه الله، فأرسل رسالة قوية لقائد التمرد قال فيها: «لك عندي سيارة كانت هدية، فلا حاجة لي بها، وتعال خذها»، ثم أعلن معارضته للتمرد قبل أن يظهر للعلن. ولهذا كان موقف الأمير عبد القادر منعم منصور بعد تمرد حميدتي، إذ كان أول من وقف مع القوات المسلحة ضد التمرد.
وحينما دخل التمرد مدينة النهود، حاولوا إذلاله وإخضاعه، لكنه رفض، وبقي في المدينة كالأسد الجريح. كانوا يخشونه خشية الثعلب من الضرغام، وحاولوا اغتياله أكثر من مرة كما فعلوا مع ناظر المسيرية عبد المنعم الشوين. وكانت آخر محاولاتهم اغتياله بطائرة مسيَّرة كما فعلوا مع ناظر المجانين ورفاقه في المزروب. نجاه الله من القتل بالمسيرة، ثم منعوه من حق العلاج خارج مدينة النهود، فسببوا له الآلام والأوجاع حتى حدثت وعكته الصحية الأخيرة التي توفي على إثرها في مستشفى البشير المرجعي بمدينة النهود.
سيرة أمير أمراء السودان وموطنه
الاسم: عبد القادر منعم منصور
الموطن: دار حمر
دُفعت الأرض التي تسكنها قبيلة حمر وفقًا للروايات المتواترة بثمن باهظ، اشتراها الحاج منعم أبو المليح من السلطان حسين تيراب، ووافقت على العقد الحجة «السبطية العثمانية» في إسطنبول. وهي تكاد تكون الأرض الوحيدة التي اشترتها قبيلة عربية وافدة من سلطان دارفور.
أنجب الحاج أبو المليح ولدين «مكي ومكين»، تُنسب دار حمر إليهما. نُصِّب منعم منصور محمد الشيخ ناظرًا على عموم حمر عام 1928م. وقد أدى الناظر علي التوم ناظر الكبابيش دورًا في ذلك بعد أن لفت الأنظار لضرورة توحيد النظارة. زار المسؤولون البريطانيون قرية “أبو جفالة” وقابلوا منعم منصور، فاستحسنوه وعينوه ناظرًا لعموم حمر.
كان الرجل كريمًا ومتدينًا، لا يشرب الخمر. وقد حُفرت بئر في مدينة النهود بمناسبة تنصيبه ما زالت تعمل.
قاد الناظر منعم القبيلة بحكمته وقوة رأيه، وبقيت القبيلة موحدة تحت قيادته. وبعده جاء ابنه عبد القادر منعم منصور، الذي خلف والده وجده وآل بيته. كان قويًّا حازمًا لا يجامل في أحكامه، ولذلك لُقِّب بـ«المكوة».
أسرة بيت النظارة
تمثل هذه الأسرة ما يزيد على ثلث تاريخ استقرار قبيلة حمر في منطقتها (1897–2025)، وهي الأسرة الأطول في الحكم وتوحيد القيادة. ظل الشيخ عبد القادر مرابطًا في النهود، رافضًا مغادرتها رغم مرضه وكبر سنه. ظل صابرًا محتسبًا ينتظر أن تنجلي الأزمة وتعود دار حمر كما كانت: ثرية، نقية، وضاءة، يانعة.
لم تمض إلا عشرة أيام على مقتل الشيخ سليمان جابر جمعة سهل بطائرة مسيَّرة حتى لحق به أخوه ونظيره الشيخ عبد القادر منعم منصور.
نسأل الله أن يتقبلهما شهداء، وأن يجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وأن يلهم أهلهما الصبر والسلوان. التعازي موصولة للأمير منعم عبد القادر منعم منصور الذي خلف والده في الإمارة، ولأهل السودان عامة وأهل دار حمر خاصة.
