إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة

لماذا تتكرّر الأزمات والحروب في إثيوبيا؟ وكيف يمكن لدولة مثقلة بصراعاتها الداخلية أن تواصل التطلّع إلى توسيع نفوذها خارج حدودها؟
هذان السؤالان يبدوان اليوم أكثر إلحاحا، في ظلّ التناقض الصارخ بين الداخل الإثيوبي المأزوم والطموحات الإقليمية المتعاظمة لرئيس الوزراء آبي أحمد.
في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، فجّر آبي أحمد جدلا واسعا بتصريحات أدلى بها أمام البرلمان، تحدّث فيها عن «الحقوق التاريخية» لإثيوبيا في منفذٍ على البحر الأحمر، مؤكدا أنّ حرمان بلاده من منفذٍ بحري تمّ «بطريقة غير قانونية» ومن دون موافقة الشعب. وقال إنه، بعد مراجعة الوثائق الرسمية، لم يعثر على أي مستند يُجيز أو يشرعن فقدان -أو بالأحرى التنازل عن- تلك المنافذ البحرية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وللإنصاف، لم تكن تلك المرة الأولى التي يلوّح فيها آبي أحمد بحقّ بلاده في الوصول إلى البحر. فمنذ سنوات، يعيد الرجل طرح المسألة بوصفها قضية وجودية تمسّ مستقبل الدولة ومصالحها الحيوية. وقد صرّح سابقا بأنّ «الحصول على منفذٍ بحريّ لم يعد ترفا، بل مسألة تتعلّق ببقاء إثيوبيا ذاتها»، متسائلا: كيف لبلد يقترب عدد سكانه من مئةٍ وخمسين مليون نسمة أن يواصل العيش في «سجن الجغرافيا»؟
لم تبقِ حكومة آبي أحمد هذا الخطاب في حدود التصريحات، بل ذهبت في مطلع يناير/كانون الثاني 2024 إلى توقيع مذكرة تفاهم مع «جمهورية أرض الصومال» غير المعترف بها دوليا، تُتيح لأديس أبابا ممرا بطول عشرين كيلومترا في خليج عدن، إلى جانب ميناء تجاري وقاعدة بحرية، مقابل تعهّدها بالاعتراف باستقلال الإقليم عن الصومال. وقد أشعلت الخطوة غضب مقديشو، ودَفعت بالعلاقات بين البلدين إلى حافة القطيعة الدبلوماسية.
لا يتناول كاتب هذه السطور مسألة المطالبة بالمنفذ البحري من زاوية قانونية، ولا يسعى إلى مصادرة حقّ الآخرين في الاعتراض أو النقاش. فالمقصد هنا هو النظر إلى ما هو أعمق من الجدل الدائر حول البحر الأحمر. فبينما يلوّح آبي أحمد بإعادة رسم خريطة بلاده الجغرافية، تتصاعد داخل إثيوبيا توتّرات لا تخطئها العين، ولا سيما في الشمال، حيث تزداد المخاوف من تجدّد القتال في إقليم تيغراي الذي شهد بين عامي 2020 و2022 حربا أهلية دموية أودت بحياة نحو ستمئة ألف شخص، بحسب تقديرات منظمات دولية. وتبدو الأوضاع أكثر سوءا في الإقليمين اللذين تقطنهما قوميتا الأمهرا والأورومو، حيث تتواصل الاضطرابات والمواجهات المسلحة، وتخرج مناطق واسعة عن سيطرة الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا.
من «الحبشة» إلى إثيوبيا الحديثة: تصحيح صورة راسخة
وقد يكون من الضروري، للقارئ العربي غير الملمّ بتفاصيل القرن الإفريقي، بعض التوسّع في هذا التمهيد. فالغاية من استعراض هذه الوقائع ليست إعادة سرد مواقف آبي أحمد، بقدر ما هي الإشارة إلى أنّ ما تشهده إثيوبيا اليوم -سواء في خطابها الإقليمي المثير لقلق الجوار، أو في توتّراتها الداخلية بين الأقاليم والمكوّنات العرقية- يعود في جذره إلى طبيعة نشوء الدولة نفسها. إذ وُلدت إثيوبيا كإمبراطورية توسّعية أكثر منها دولة وطنية حديثة، الأمر الذي أنتج بنية سياسية هشّة وصراعات متوارثة بين المركز والأطراف.
وعليه، فإنّ فرضية هذه المقالة -أو أطروحتها بلغة البحث الأكاديمي- تقوم على أن أزمات إثيوبيا المتكرّرة، والتي استعرضنا بعض مظاهرها آنفا، ليست طارئة ولا معزولة، بل متجذّرة في كيفية تشكّل الدولة ذاتها، والتي لم تتطوّر على غرار الدولة الوطنية (Nation State) كما نشأت في بقية أنحاء أفريقيا.
فالدولة الوطنية في أفريقيا، رغم عللها الكثيرة، وُلدت من رحم الإرث الاستعماري الأوروبي في حقبة زمنية معروفة، ثمّ سعت لاحقا إلى ترسيخ هياكل الدولة كما ورثتها عن المستعمر. وكان من محاسن ذلك أنّها لم تُصَب بما يُسمّى نزعة «الأصلانية» (primordialism)، فلا تتباهى بأصولٍ غابرة، ولا تملك في بنيتها ما يُتيح لها التمدّد خارج حدود الموروث الاستعماري الذي وُلدت في إطاره.
أما إثيوبيا، فلم تمرّ بهذه التجربة الاستعمارية، بل قامت على نظام إمبراطوري محلّي أسّسه الإمبراطور منيليك الثاني في الفترة من 1889 إلى 1913. وهنا أجد من الضروري، قبل التوغّل في تفاصيل الإمبراطورية، التنبيه إلى أنّ الصورة المترسّخة في المخيال العربي والإسلامي عن «الحبشة» لا تنطبق على إثيوبيا الحديثة. فالحبشة التي ورد ذكرها في المدونات القديمة لم تكن سوى كيان محدود النفوذ في الهضبة الشمالية، أي في المناطق التي تُشكّل اليوم إقليمي الأمهرا والتيغراي. ويكفي للدلالة على ذلك أنّ منيليك الثاني نفسه، قبل أن يُتوَّج إمبراطوراً، كان ملكاً على منطقة «شوا» الواقعة شمال البلاد في الفترة من 1866 إلى 1889.
توسّع منيليك الثاني: ولادة إمبراطورية من داخل الهضبة
حين اعتلى منيليك الثاني عرش إثيوبيا عام 1889، أطلق واحدةً من أكبر حملات التوسّع الجغرافي في تاريخ القرن الإفريقي الحديث، وهي الحملة التي رسمت إلى حدٍّ بعيد ملامح إثيوبيا المعاصرة. فبعد أن كان حكمه محصورا في منطقة شوا، في أقصى الشمال، تمكّن منيليك من بسط نفوذه جنوبا على مناطق واسعة، شملت أوروميا وكافا وسيدامو وولايتا وهَديا وغامبيلا وبني شنقول-قمز وهرر وأوغادين وأجزاء من إقليم العفر. ولا يمكن إدراك مغزى هذا التوسّع إلا حين نعرف أن الأراضي التي ضمّها منيليك الثاني تمثّل اليوم ما بين 70 إلى 80% من المساحة الجغرافية لإثيوبيا الحديثة.
وبالنظر إلى الملابسات التي أحاطت بتشكّل الإمبراطورية، يدور سجال واسع بين المؤرّخين الإثيوبيين حول كيفية توصيف الحملات التي قادها الإمبراطور منيليك الثاني. فالرواية الرسمية، وخصوصاً في أوساط النخبة الأمهرية، تنظر إلى تلك الحملات بوصفها مشروعاً للتوحيد القومي، وتقدّم منيليك باعتباره مؤسّس الدولة الإثيوبية الحديثة. في المقابل، يرى مؤرّخو القوميات التي خضعت لتلك الحملات أنّ ما جرى لم يكن توحيدا بقدر ما كان إدماجا قسريا يقترب مما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الاستعمار الداخلي».
أيا يكن توصيف تلك الحملات، فإن الثابت أنّ توسّعات منيليك الثاني ارتبطت، بحسب أغلب المؤرخين، بمستوياتٍ عالية من العنف والمجازر، وبعمليات نزعٍ منظَّم للأراضي من أصحابها الأصليين، قبل أن تُمنح لطبقة النبلاء العسكريين من الأمهرا، في إطار ما عُرف لاحقاً بـنظام النافتنيا (Neftenya). ولم تقتصر حملات منيليك على السيطرة العسكرية، بل امتدّت إلى إخضاع ثقافي وديني، إذ فُرضت اللغة الأمهرية والكنيسة الأرثوذكسية رمزين للهوية الإمبراطورية الجديدة. وفي هذا السياق، يستشهد بعض الباحثين بما قاله المفكّر إرنست غلنر في كتابه «الأمم والقوميات»، حين وصف الإمبراطورية التي أقامها الأمهرا، ممثّلين في منيليك الثاني، بقوله:
«لقد كانت إمبراطورية الأمهرا سجناً للشعوب، إنْ جاز وصف كيانٍ سياسيٍّ بأنه سجنٌ للأمم».
من هيلي سلاسي إلى منغستو: سقوط الإمبراطورية وبقاء البنية
استمرّت الإمبراطورية الإثيوبية على هذا المنوال خلال عهد الإمبراطور هيلي سلاسي (1930–1974)، إذ حافظت على بنيتها المركزية الموروثة، وسعت إلى توسيع نفوذها على مناطق كانت اسميا تحت التاج الإمبراطوري، لكنها بقيت خارج السيطرة الفعلية للدولة. غير أنّ الإضافة الأبرز في عهد هيلي سلاسي تمثّلت في ضمّ إريتريا إلى الإمبراطورية. فبعد أن كانت إريتريا خاضعة للإدارة البريطانية بين عامي 1941 و1952، نجح الإمبراطور، بدعم أمريكي، في دفع الأمم المتحدة إلى إصدار قرار يقضي بإقامة اتحادٍ فيدرالي بين إثيوبيا وإريتريا، على أن تحتفظ الأخيرة بنظام حكم ذاتيّ وبرلمان ودستور خاصّين بها. لكن هيلي سلاسي بدأ تدريجيا بتقويض هذا النظام الفيدرالي، إلى أن ألغاه رسميا عام 1962، معلنا إريتريا إقليما إثيوبيا خاضعا للسلطة المركزية في أديس أبابا. وقد أدّى ذلك القرار إلى اندلاع حرب التحرير الإريترية التي استمرّت ثلاثين عاما، وانتهت بإعلان استقلال البلاد عام 1993.
أُطيح بالإمبراطور الإثيوبي هيلي سلاسي في ثورة عام 1974، حين استولى على السلطة الجناح العسكري للتنظيم الشيوعي في البلاد المعروف بـ«الدرغ»، وهو اختصار لـ«لجنة التنسيق بين القوات المسلحة والشرطة والجيش». وبذلك طُوي رسميّا عهد الإمبراطورية الإثيوبية. غير أنّ المفارقة أن النظام الجديد، بزعامة منغستو هيلي ماريام، وإن أنهى الحكم الإمبراطوري بإزاحة هيلي سلاسي عن العرش، فقد أبقى على هياكل البنية المركزية نفسها التي قامت عليها الإمبراطورية. والدليل أنّ التوترات والانتفاضات ظلّت تتكرّر كما كانت، بل ازدادت حدّةً في بعض الأحيان. وخلال سنوات حكم منغستو (1974–1991)، خاض النظام حروبا داخلية متواصلة ضد جبهات مسلّحة، أبرزها جبهتا الأورومو والتيغراي. والأدهى أنّ النظام الماركسي الجديد دخل، عام 1977، في حرب مفتوحة مع نظام سياد بري في الصومال، رغم أنّ كليهما كان يرفع الشعارات الماركسية، وذلك بسبب النزاع على إقليم أوغادين ذي الغالبية الصومالية. فلو كان منغستو ماركسيا بحق، لاحتكم إلى ما كتبه لينين في مسألة «القومية»، ولا سيّما ما يتصل منها بحق الشعوب في تقرير مصيرها، أو بتحذيره المتكرّر من محاولات صهر الأمم في بوتقة واحدة وفرض ثقافةٍ موحّدة قسرا. والسبب وراء هذا الإخفاق، في تقدير كاتب هذه السطور، أن منغستو ظلّ أسيرا لآليات الإمبراطورية أكثر مما كان ملتزما بالماركسية.
الفيدرالية القومية وصعود آبي أحمد: آمال كبرى وعودة إلى المأزق
حين أُطيح بنظام منغستو هيلي ماريام في مايو/أيار 1991، وصل إلى الحكم تحالف عسكري سياسي واسع عُرف باسم ائتلاف «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية»، وضمّ في صفوفه الأحزاب الكبرى الممثِّلة لقوميات التيغراي والأمهرا والأورومو وشعوب الجنوب. رفع الائتلاف شعارات تحرّرية تدعو إلى حق تقرير المصير، واحترام ثقافات الشعوب، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد تجسّد جانب من هذه الشعارات مع إقرار دستور عام 1995، الذي أرسى نظاما فدراليا قائما على أسس قومية. وكان المأمول أن تتيح هذه الصيغة مشاركة أوسع للقوميات في الحكم، وأن تضمن احترام اللغات والثقافات المحلية. غير أنّ هذا الائتلاف انتهى، في الواقع، إلى هيمنة جبهة تحرير شعب تيغراي على مفاصل الدولة الحسّاسة، من أجهزة الأمن والجيش إلى الاستخبارات والاقتصاد.
وقد ولّد ذلك شعورا متزايدا بالغبن والتهميش لدى القوميات الأخرى، ولا سيّما الأورومو والأمهرا. ومع أنّ الإطاحة بحكم الائتلاف جاءت نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية ممتدّة، إلا أنّ الشرارة التي عجّلت بانهياره انطلقت من إقليم أوروميا عام 2015، حين اندلعت احتجاجات واسعة ضد «مخطط التنمية الشامل» لأديس أبابا، والذي اعتُبر تهديدا مباشراً لأراضي الأورومو وهويتهم. وسرعان ما تحوّل هذا الغضب المحلي إلى حركة احتجاج وطنية أوسع، انضمّت إليها لاحقا قوميات الأمهرا وأعراق أخرى في مدن عدّة، رافعة مطالب واضحة بإنهاء التهميش السياسي، والإفراج عن المعتقلين، وإنهاء الهيمنة التي رسّختها جبهة تحرير شعب تيغراي داخل الائتلاف الحاكم.
في أبريل/نيسان 2018، انتُخب آبي أحمد رئيساً للوزراء، مستفيدا من انتمائه إلى قومية الأورومو، أكبر قوميات البلاد، والتي قادت موجة الاحتجاجات الواسعة ضد النظام السابق. وقد حمل صعوده إلى السلطة آمالا كبيرة بتفكيك المنظومة الأمنية القديمة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وفتح المجال السياسي، إلى جانب مبادرته للمصالحة مع إريتريا، وهي الخطوة التي نال بسببها جائزة نوبل للسلام. لكن تلك الآمال ما لبثت أن اصطدمت بواقعٍ مغاير، إذ سرعان ما انقلبت المعادلات مع اندلاع الحرب في إقليم تغراي عام 2020، وما تبعها من تحوّلات حادّة أعادت تشكيل المشهد السياسي في إثيوبيا على نحو أسوأ مما كان عليه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف وصلت البلاد إلى هذا المنعطف، بين اضطراب داخلي متصاعد وخطاب توسّعي موجّه إلى دول الجوار، رغم أنّ من يمسك بمقاليد الحكم ينحدر من قومية كانت هي نفسها من ضحايا الممارسات الإمبراطورية القديمة؟
«اللاشعور السياسي» وعودة الإمبراطورية من الباب الخلفي
يتيح لنا ما سبق، استحضار ما سمّاه المفكّر المغربي محمد عابد الجابري في «العقل السياسي العربي» بـ«اللاشعور السياسي»، فهماً أعمق للسلوك الجمعي والديناميات التي تتحكّم في خيارات النخب الحاكمة. فالجابري يرى أنّ المجتمعات لا تتحرّك فقط وفق ما تعلنه من مصالح وآراء، بل وفق منظوماتٍ من الرموز والتمثّلات الراسخة في الذاكرة الجماعية، تعمل في الغالب من وراء الوعي، وتشكل أنماط الإدراك واتخاذ القرار. وهذه البُنى الذهنية، ما لم تُفكَّك نقديا، تتحوّل إلى مرجعيات صلبة تُعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة، مهما تغيّرت الوجوه والظروف.
انطلاقاً من هذا التصوّر، تبدو الحالة الإثيوبية مثالا بالغ الدلالة. فبدلا من الاقتصار على تحليل السياسات اليومية للحكومات المتعاقبة منذ سقوط الإمبراطورية عام 1974، تساعدنا مقاربة «اللاشعور السياسي» على تفسير مفارقة لافتة: كيف أمكن لمعظم النخب التي وصلت إلى السلطة بعد عهد هيلي سلاسي -وهي نخب تنتمي في الأصل إلى قوميات عانت التهميش والإقصاء- أن تعيد إنتاج الآليات الإمبراطورية نفسها التي ثارت عليها؟
ذلك أنّ البُنى العميقة المترسّبة من الإرث الإمبراطوري الإثيوبي، بما تحمله من رموز وتمثّلات ذهنية حول المركز والأطراف، وحول «رسالة الدولة» وهيبتها وحدودها المتخيَّلة، ما تزال فاعلة -وإن من وراء حجاب- في تشكيل السلوك السياسي. إنها تعمل كطبقة صامتة، تُوجّه التفكير وتحدّد الممكن والمستحيل، من دون أن يشعر الفاعلون السياسيون بأنهم خاضعون لها. ولهذا، ورغم مرور قرابة نصف قرن على انهيار الإمبراطورية، ما يزال أثرها الكامن حاضرا في كل مفصل من مفاصل المشهد الإثيوبي الراهن.
وبهذا المعنى، فإنّ الاضطرابات الواسعة التي تشهدها البلاد اليوم ليست مجرد نتاج لأخطاء الإدارة أو حسابات السياسة اليومية، بل نتيجة مباشرة لبُنى لم تُفكَّك بعد في الوعي الجمعي. ومن هنا يمكن فهم الخطاب الذي يطرحه آبي أحمد حول «استعادة» منفذ بحريّ بأي وسيلة ممكنة: فهو ليس مجرد مشروع جيوسياسي طارئ، بقدر ما هو تجلٍّ جديدٌ لتمثّلات إمبراطورية كامنة تستعيد الماضي باعتباره مرجعا جاهزا لتبرير طموحات الحاضر.
