هيكل.. 50 عاما من العواصف

الضجيج حول محمد حسنين هيكل لا يهدأ.
معركة جديدة تدور رحاها بين المثقفين في مصر حول قيمة هيكل صحفيا وسياسيا.
هل أسَّس مدرسة صحفية؟
هل له تلاميذ؟
هل غيَّر من «الأهرام» وقت رئاسته لها أم ظلت مؤسسة صحفية تقليدية؟
كلها أسئلة وجدَل لم يتوقف على إثر حوار بين الكاتبين عادل حمودة وإبراهيم عيسى حول هيكل وقيمته.
دخل الجميع إلى ساحة المعركة.
محبو هيكل وكارهوه.
اشتعلت المعركة على صفحات التواصل الاجتماعي وعلى المواقع.
كل طرف يتمسك برؤيته وحجته.
حتى بعد سنوات من وفاته يظل هيكل قادرا على أن يثير العواصف.
هيكل القيمة
في عام 2013 كنت من المغرمين بهيكل.
قرأتُ كل ما طالت يدي من كتاباته منذ أن كنت طالبا في الجامعة وحتى ما بعد ثورة 25 يناير.
في ذلك العام قادتني الأقدار إلى لقاء شخصي في مكتب الأستاذ هيكل على نيل الجيزة رفقة صديقين وزميلين هما الإعلامي شريف عامر والكاتب الصحفي محمد الجارحي عضو مجلس نقابة الصحفيين.
استمر اللقاء نحو الساعة.
كنا قد ذهبنا نطلب رأي «الأستاذ» في تجربة صحفية نود تأسيسها، أنا والصديق الجارحي، بعد 30 يونيو 2013.
لم نكن نعلم من أين نبدأ التجربة، ولا ما تستلزمه اللحظة التاريخية في حلم صحفي وليد.
رحنا وكلنا أمل أن تكون أفكار الأستاذ مفيدة ومرشدة لشابين كلهما أمل في مشروع صحفي مختلف ومتميز.
كانت الصدمة أن الأستاذ لم يقل شيئا.
لم يستمع لنا بما يكفي.
لم يشجعنا على الاستمرار في التجربة.
بل طالبنا بصرف النظر عن المشروع كله، فليس هناك ما يمكن قوله الآن.
في كل الأحداث التي مرت بمصر وقتها، وفي لحظة انتقال فريدة، اعتبر الأستاذ أنه لا شيء يستحق تجربة جديدة ولا محاولات مختلفة ولا أصوات شابة!
خرجت من عند الأستاذ هيكل محبطا وغير سعيد باللقاء.
اهتزت صورة الأستاذ بداخلي كثيرا.
شعرتُ بالندم على اللقاء الذي غيَّر صورة هيكل لديَّ، وكنت أتمنى أن تظل صورته نقية أكثر.
شاركني العزيز محمد الجارحي في الإحباط.
ومع ذلك لم أفقد تقديري لهيكل كأحد أعظم الكتّاب في عصرنا الحديث، وأكثرهم تأثيرا وأثرا في الصحافة المصرية والعربية.
تغيّرت الصورة ولم تهتز المكانة.
بين الصحافة والسياسة
كان محمد حسنين هيكل في حياته يجذب الأضواء ولا تخفت من حوله أبدا.
بلغته في الكتابة: هو الرجل الذي عاش نصف قرن في قلب العاصفة.
استقرت كتاباته في ضمير المصريين مؤرخا له ملامح الروائي.
يكتب السياسة بسرد شبه أدبي، ويروي ما لا يمكن لأحد غيره أن يراه.
حين عاد الجدل حوله أخيرا انقسم الناس بين من يرفعه إلى مقام الأسطورة ومن يريد دفنه في سطور قليلة.
كنت أنا من الفريق الأول حتى التقيته.
فأعدت تقييمه بما ينزع عنه صفة الأسطورة لكن لا ينفي عنه قيمته الكبرى.
في حالة قيمة صحفية مثل الأستاذ هيكل، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة ومشروعة، وتقبل التعدد ووجهات النظر.
أكان هيكل صحفيا أم سياسيا؟ مؤرخا أم صانعا للتاريخ؟
أم كان رجلا اختارته الأقدار ليكون قريبا من السلطة بما يصنع تجربته المتفردة؟
المؤكد أنه رغم كل ما كُتب عنه، ما زال هيكل مساحة رمادية واسعة، تتسع للتفسير والاختلاف، وتحتمل الإعجاب والنقد في الوقت ذاته.
هيكل لم يكن مجرد صحفي كبير، بل كان مدرسة صحفية كاملة.
بتجربته وبما قدَّمه يبقى الأستاذ هو التأكيد على أن الكلمة يمكن أن تكون جزءا من القرار السياسي، تؤثر فيه وتوجهه، لكنها أيضا تدافع عنه وتحميه.
وقد كان هيكل كل هذا مجتمعا.
لم يكن في «الأهرام» يكتب بصراحة فقط، بل كان يرسم الخرائط ويحدد المصائر.
صحفيا، يفعل ذلك وهو يجمع بين مهارة الصحفي وحس الروائي.
وسياسيا، يتحرك في تلك المساحة الرمادية بين الحكم والشعب.
يعرف قيمة الوثيقة، ويدرك أن التاريخ ليس مجرد أكوام أوراق.
ولذلك صار اسمه في ذاته مرجعا، لأنه كان دائما قريبا من مركز الأحداث.
هذا القرب أعطاه قوة، لكنه منحه أيضا عبئا كبيرا ظل يطارده حتى بعد رحيله.
زمن هيكل والأجيال الجديدة
المؤكد أن محمد حسنين هيكل ابن لحظة سياسية لا تتكرر.
كان الناس يؤمنون فيها بالزعيم أكثر من المؤسسات، ويثقون بالكلمة القادمة من كل من هم قريبون من الحكم أكثر من أي مصدر آخر.
كان زمنا يصنع الصحفي فيه صورته بقربه من الحاكم.
ولذلك أصبح هيكل جزءا من المنظومة التي يكتب عنها.
بذكاء فطري استفاد من هذا القرب دون أن يحترق.
طرح نفسه وهو بجوار السلطة باعتباره مدافعا عن تجربة يمتزج فيها الحلم القومي بالسلطة المركزية.
انفتح الباب أمام الصحفي الموهوب ليكون شريكا كاملا في صياغة الخطاب الوطني في مرحلة مهمة من تاريخ مصر.
والمؤكد أن هذا الاقتراب صنع مجده، لكنه صنع أيضا بعضا من مآخذه حينما اتهمه البعض بأنه صار جزءا من اللعبة، لا مجرد راصد لها.
لكن الإنصاف يقتضي القول إنه كتب زمنه كما هو.
كتبه بكل تناقضاته، بكل مكاسبه وخسائره.
لم يُخفِ إعجابه بجمال عبد الناصر، لكنه لم ينكر أيضا أخطاء تجربته.
ورغم أن هيكل ابن زمن مختلف تماما عن زمن الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، فإنه يظل حاضرا في خيال الكثير من الأجيال الجديدة.
يعود إليه شباب لم يعاصروا تجربته أو جزءا منها.
يأنسون بلغته الصافية وطريقته في سرد القصة السياسية وتحويلها إلى حكاية جذابة.
هو صاحب مدرسة أن الصحافة ليست انفعالا لحظيا، بل بناء يربط بين المتن والهامش، وبين التفاصيل الصغيرة وصورة المشهد الكبير.
ربما وجد الجيل الجديد في هيكل ما تفتقده الكثير من التجارب الصحفية في زماننا: الفهم والترتيب والعمق والجاذبية في طرح القصص.
مع كل إعجاب وتقدير من الجيل الجديد للأستاذ، فإنه يملك الحق في نقده، وفي مساءلة دوره السياسي، وفي سؤال مشروع عن علاقته بالسلطة.
النقد هنا ضرورة لتطوير المهنة نفسها.
والحكم المجرد على قيمة صحفية بحجم الأستاذ هيكل، وعلى تجربة تستحق أن نقرأها بعمق بالإعجاب حينا وبالنقد حينا آخر.
