ثورة «المتصفحات الذكية» للإنترنت.. والاحتلال الرقمي للعقول؟

«احتلال» من نوع خاص جدًا يجتاح «الفضاء الإلكتروني» للسيطرة عليه، والاستحواذ على أكبر قدر من «الجمهور» في العالم، وقيادته بنعومة، وتحويله إلى مجرد متلقٍ سلبي لما يُملى عليه، بُغية التحكم في الوعي العام وتشكيله.
فقد اشتعلت مؤخرًا انتفاضة «المتصفحات»، التي تُعد بوابة الفرد ونافذته للولوج إلى عالم الإنترنت والإبحار فيه، لتصفّح المواقع والحصول على المعلومات والبيانات والمعارف. فـ«المتصفحات العادية» مثل «غوغل كروم» و«إنترنت إكسبلورر» وغيرهما، كانت تتنافس على توفير ميزة سرعة التصفح للمستخدم قبل عشر سنوات.
الآن، لم تعد «السرعة» مجالًا للمنافسة.. صارت موضة قديمة. فقد استعرت المنافسة بين شركات التكنولوجيا الرقمية الغربية الكبرى لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في متصفحاتها، وتضمينها «مساعدًا ذكيًا» كأداة جانبية في المتصفح ذاته، ليكون هذا المساعد عونًا للمستخدم في إنجاز مهام عديدة بدلاً منه، بما يوفر الوقت والجهد والمال.
وكلاء أذكياء
لعل أخطر المتصفحات الذكية التي ظهرت مؤخرًا متصفح «كوميت»، الذكي الذي يعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي المُدمجة فيه. يليه متصفح «أطلس» الذي طرحته شركة «أوبن إيه آي»، صاحبة نموذج الدردشة «شات جي بي تي»، والذي أدمجته في متصفحها، وهو مُتاح حاليًا للحواسيب العاملة بنظام التشغيل «ماك أو إس» من أبل، في حين تسعى شركة «ألفابت»، المالكة لمتصفح «غوغل كروم» (وغيرها)، إلى اللحاق بالسباق للحفاظ على عرشها، فهي تستحوذ على 72% من المستخدمين للمتصفحات ومحركات البحث حول العالم.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 2 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 3 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 4 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
تكمن خطورة هذه المتصفحات الذكية، وعلى رأسها «كوميت»، في أنها لم تعد منصات لعرض صفحات الإنترنت، بل وكلاء أذكياء عن مستخدميها. فنحن بصدد ثورة للتحول من «المتصفحات التقليدية» إلى «متصفحات ذكية» يندمج فيها الذكاء الاصطناعي، ليصير «المتصفح» وكيلًا للفرد يتولى عنه إنجاز الكثير من المهام.
فيكفي «الفرد المستخدم» طرح أي سؤال يخطر بباله حول أي محتوى أو شيء، ليسارع المتصفح في ثوانٍ معدودة إلى عرض خلاصة جاهزة لإجابة السؤال، تُغنيه عن تصفح نتائج البحث بنفسه. فالمتصفح يتحول إلى «مساعد معرفي» للمستخدم، يقوده ويعيد صياغة علاقته بالإنترنت وتجربته الرقمية، والتلاعب بالإدراك، بما يفتح الباب أمام شركات صناعة التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على العقول والوعي الرقمي للبشر.
مقاطع اليوتيوب.. وحجز الفنادق وتذاكر الطيران
يمكن للمتصفح القيام بالكتابة والتلخيص للمقالات الطويلة، وعرض وإعداد مواجز لمحتوى مقاطع اليوتيوب، وكذلك حجز تذاكر الطيران والإقامة بالفنادق، وتنفيذ أعمال مُعقدة تستدعي تنقلًا بين الصفحات والمواقع والتطبيقات على الإنترنت.
ويمتلك «المتصفح الذكي» إمكانية المقارنة بين «المنتجات»، وعرض جداول بمزايا وعيوب المنتج المرغوب، والشراء من المتاجر الإلكترونية نيابة عن المستخدم، وكذلك التحليل الذكي للخرائط واختيار أفضل وأقصر طرق الوصول إلى مكان ما.
ويمكنه تلقي أوامر المستخدم نصيًا بالكتابة، أو صوتيًا أثناء القيادة أو الانشغال. باختصار، فالمتصفح الذكي يتلقى سؤالًا ليقدّم أفعالًا، وليس مجرد نتائج للبحث. فأفكار المستخدم التي يبوح بها للمتصفح تتحول إلى مهام يتم إنجازها في سلاسة وسرعة فائقة دون مغادرة موضع السؤال على المتصفح، أو الغرق تجوالًا بين المواقع والتطبيقات والمتاجر الإلكترونية.
ويتيح المتصفح للمستخدم إمكانية رؤية ومراقبة نشاط المساعد الذكي وهو ينفذ المهام المُكلّف بها. والمتصفح، بتولّيه الوكالة وإنجاز أعمال كثيرة لـ«المستخدم»، يستدرجه بسهولة ويُسر وهدوء ليحوّله خلال مدى زمني قصير إلى مجرد متلقٍ مُستهلك لما يُقدّم إليه، فينقاد لهذه المتصفحات الذكية، وهنا الكارثة.
الاعتماد على نبذة الذكاء الاصطناعي
في الماضي القريب، عندما تطلب من محرك البحث الأشهر «غوغل» البحث عن خبر ما أو معلومة طبية معينة أو غيرها، فإنه يعرض مئات أو آلاف النتائج في مصادرها الأصلية، مثل المواقع الإلكترونية الصحفية أو الطبية (حسب طلبك)، لتتبحر بذاتك في هذه المواقع، وتتصفحها، وتتجوّل في محتواها، تفحص وتقارن وصولًا إلى اختيار ما تراه «أنت» صحيحًا وصائبًا.
في الآونة الأخيرة، قبيل ثورة المتصفحات التي اشتعلت في الأيام القليلة الماضية، فإن «غوغل» يعرض في الأعلى «نبذة باستخدام الذكاء الاصطناعي»، تلخيصًا لنتائج البحث كإجابة مباشرة بنسبة 58% من الأسئلة المطروحة عليه أو طلبات البحث، لتأتي أدنى هذه النبذة نتائج البحث التقليدية.
هذا الأسلوب لـ«غوغل» أدى –وفقًا لدراسات غربية– إلى انخفاض كبير في عدد الزيارات البشرية للمواقع الإلكترونية بشكل مرعب، الأمر الذي يعني اكتفاء غالبية المستخدمين أو المتلقين بالملخّص أو نبذة الذكاء الاصطناعي. فلم يكلف غالبية المستخدمين أنفسهم عناء تصفح النتائج الأخرى، دخولًا إلى المواقع أو المصادر الأصلية، اتكالًا واعتمادًا على الملخص الجاهز للإجابة، بما يُحيل «المواقع الإلكترونية»، ومنها الصحفية، إلى وقود تستهلكه المتصفحات، وبما يُدمّر اقتصادات مئات الملايين منها، إذ يصل عددها إلى مليار و200 مليون موقع إلكتروني.
الاحتلال الناعم للإدراك
منذ «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، مارست منصات التواصل الاجتماعي الرقابة والتسلط والحجب والمنع وصولًا إلى الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني والمناصر لغزة، بحذف ملايين «المنشورات» أو تقليل ومنع ظهورها وفرض قيود على المستخدمين، وكل ذلك بحجج واهية مثل «مخالفة معايير المجتمع» أو «التحريض على الكراهية»، وما إلى ذلك من مزاعم.
أما في حالة «المتصفحات الذكية»، فنكون بصدد هيمنة واحتلال ناعم للإدراك والوعي. ففي هذا النمط، لا يُحذف «المحتوى»، بل تُعاد صياغته وترويضه ليكون سلسًا، غير حاد، بواسطة الوكيل المساعد الذكي الساكن في المتصفح، ويتلقاه الفرد في «إجابة وحيدة» جاهزة، راضيًا، قانعًا، لا يخالجه الشك في مصداقيتها، ويتقبلها كما هي، فلا يجد نفسه ناقدًا ولا رافضًا لها، ليجد المرء نفسه منقادًا لما يجود به وكيله المساعد الذكي أو المتصفح.
فإذا كان استبداد التواصل الاجتماعي يتم بالتحكم فيما يُنشر أو لا يُنشر، فإن دكتاتورية المتصفحات الذكية تكمن في تطبيع المستخدم بالانقياد والخضوع، فتسود السردية والرواية التي يروّجها المتصفح الذكي.
وهذا ما يستدعي التوعية بمخاطر هذه المتصفحات، وتنمية التفكير الناقد، والانتفاع بالمساعد الذكي ومميزاته دون الاعتماد كليًا عليه، حتى لا يفقد المرء إرادته ووعيه.
