23 يوليو.. مصر في انتظار عقد اجتماعي جديد

مساء 23 يوليو/تموز 1952، لم يهتز جدار الحكم الملكي فقط.
كانت حركة ضباط الجيش بداية لهدم عقد اجتماعي حاكم وإعلان آخر.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
رجال نزلوا الى الشوارع بالزي العسكري، وباتوا أوصياء على البلد في لحظة تاريخية مهمة وُلدت مع نسمات الفجر.
بدت المفارقة أن “الثورة الجديدة” عكست المشهد القديم الذي سبقها.
اهتمت بالسياق الاجتماعي الغائب في عهد الملكية، وأغلقت باب السياسة والتنوع تماما وللأبد.
نجت بالملايين من الحاجة والفقر، ونفت عن الملايين حقهم في الحديث والحرية.
بكل مؤيديها ومعارضيها تبقى “23 يوليو” حدثا مهمّا وفارقا في التاريخ المصري الحديث.
جاءت في وقت أفول نظام فقد مبررات وجوده، وأسست لحكم استمر، رغم تغيير الأشخاص والسياسات أحيانا، حتى الآن.
العقد الاجتماعي لـ”يوليو الأولى”
بكل ما شهده زمن جمال عبد الناصر من أحداث وتفاصيل تاريخية، يبقى المؤكد أن عصره شهد تأسيس العقد الاجتماعي الأول لثورة 23 يوليو.
اندفعت الجمهورية الأولى في تأكيد انحيازها إلى الطبقات الأكثر احتياجا.
بدرجة كبيرة بدت الخريطة الطبقية التي سبقت 1952 قد تغيرت.
صدرت دولة جمال عبد الناصر مشروعاتها الأهم باسم الفقراء والبسطاء.
من الإصلاح الزراعي إلى التأميم وحتى قدرة العامل على الوصول إلى عضوية مجلس الإدارة في شركته أو مصنعه.
في إجراءاتها الاقتصادية والاجتماعية كفلت جمهورية عبد الناصر دعما كبيرا في الخدمات.
من التعليم إلى الصحة مرورا بالسلع الغذائية وحتى مشروعات الكساء الشعبي.
كان هذا هو البند الأول في العقد الاجتماعي للجمهورية الأولى.
دعم اقتصادي واجتماعي معقول للفئات الفقيرة.
كأن الدولة قد أصبحت “أبا” للبلد جميعها.
لكن المؤكد أن البند الثاني جاء خصما -أو ثمنا- لما تحقق في البند الأول للعقد.
لا سياسة ولا أحزاب
لا حريات، ولا برلمان منتخب، ولا صحافة حرة، ولا تداول للسلطة.
سطوة الرجل الواحد والصوت الواحد تسيطر على كل ما عداها.
الولاء هو ما يمنح الفرص لا الكفاءة.
عقد اجتماعي مهتز يمنح ويمنع في الوقت ذاته.
منح “الأب” أبناءه الحماية، قبل أن يسحب منهم بعض الأمن!
خصم جديد من العقد الأول
فيما تلا عصر جمال عبد الناصر بدا أن العقد الذي أسسته دولته يتغير.
بدأ التغيير بإرهاصات ومحاولات تحركت في عصر الرئيس السادات برغبة مؤكدة في إلغاء الدعم عن السلع والخدمات.
دفع الرجل ثمن تلك المحاولات غاليا.
انفجرت الشوارع والميادين في يناير/كانون الثاني 1977 ضد تخفيض الدعم، واضطر السادات إلى التراجع.
لكن أفكار التراجع عن الدعم باتت لها مؤيدوها في أوساط السياسة والإعلام.
بمحاولات السادات كان الطريق قد انفتح على تغييرات قادمة في العقد الاجتماعي الذي أقرته دولة 23 يوليو الأولى، والضامن لدور اقتصادي واجتماعي مقبول تؤديه السلطة.
في عصر خلَفه حسني مبارك، انتقل الحديث إلى مبررات تؤمّن انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي بشعارات مقبولة “وصول الدعم إلى مستحقيه”.
استطاع مبارك أن يغيّر قليلا في الدعم المخصَّص للتعليم والعلاج وبعض السلع الغذائية، لكنه عجز عن استكمال المهمة الصعبة حتى آخرها.
فيما تلا العصرين كان الأمر مختلفا.
خلال السنوات العشر الأخيرة، تراجع الدعم الاقتصادي والاجتماعي بدرجة كبيرة، وبدا أن الأصل هو تحرير كل شيء، من الصحة إلى التعليم، ومن السلع التموينية إلى الغاز والكهرباء والبنزين.
الآن بات العقد الاجتماعي الذي أقرته يوليو في مهب الريح، والمذهل أن التغيير جار على ما حققته دولة يوليو من امتيازات، دون أن يصحح من وطأة إغلاقها لكل منافذ الحرية.
غاب الدعم، وقلَّ إلى درجات غير مسبوقة، وبقي المجال العام محاصَرا، والحرية ممنوعة، والصحافة تعاني القيود.
مفارقة غير طبيعية ولا مفهومة، ولا يمكن أن يجد لها أحد مبررا واحدا.
بدأت يوليو الأولى بدعم اجتماعي وحرية مقيَّدة.
ووصلت إلى إلغاء الدعم وطعن الحرية!
هل يوليو ما زالت حية؟
لأنها هي التي أسست للمستقبل، فإن بقايا يوليو لا تزال موجودة.
كل المحاولات للخروج من عباءة يوليو 1952 الاقتصادية والاجتماعية تواجه نقدا وهجوما كبيرا من مواطنين ارتضوا بالعقد الاجتماعي للجمهورية الأولى.
لا سياسة في مقابل الدعم الاقتصادي الذي يبني حياة كريمة.
ارتضى هؤلاء بالحد الأدنى الذي يضمن الحياة.
في الأفكار ما زالت يوليو تسكن الكثير من العقول التي تدفعها الحاجة إلى التمسك بقيم تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
وفي ممارسات السياسة ما زالت يوليو حية ومتألقة.
فهي التي وضعت اللبنة الأولى للحياة السياسية التي وصفتها المبادئ الستة بـ”السليمة”!
باختيار السلطة الحالية لتغييب الحرية والديمقراطية والإعلام الحر، فإن اختيارات يوليو تبدو حاضرة في كل يوم، وموجودة في كل لحظة.
مرة واحدة فقط اختار المصريون تغيير العقد الاجتماعي ليوليو إلى آخر جديد، يرسمه الشعب بنفسه وبحضور طاغ في الشوارع والميادين.
حدث هذا في يناير 2011، عندما نادت الجماهير بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
شعارات كبرى تبدو حاكمة لعقد اجتماعي، لا تتخلى فيه الدولة عن دورها، ولا تختفي فيه الحرية أو تحيط بها القيود، ولا يساوم فيها الحاكم الشعب، ولا يدفع فيها المواطن حريته ثمنا للقمة عيشه.
هي محاولة لرسم خريطة جديدة للوطن والمواطن على السواء.
فشلت المحاولة الأولى، واستعاد عقد يوليو الأول زخمه ناقصا منه بند الدعم الاقتصادي والاجتماعي، في حين احتفظ بالقيود على الحياة العامة كافة.
مشهد يستحق إعادة التفكير مجددا.
الآن باتت مصر في حاجة إلى عقد اجتماعي، لا يكتبه طرف واحد، ولا ينفرد به أحد، ولا يقرره فرد أو حزب أو جماعة نيابة عن الشعب.
عقد اجتماعي جديد، يكفل العدالة والمساواة والحرية، لا يستمد حروفه إلا من الظرف الذي نعيشه، والتطور الذي وصل إليه المجتمع.
وقتها يمكن أن نقول إن طريقا جديدا غير الذي قدّمته 23 يوليو قد بدأ.
