رعاية المواهب أم حبسهم وإحباطهم؟!

الشاب عبد الرحمن خالد (منصات التواصل)

انشغلت الفترة الماضية في التجهيز لبناء مقبرة، وكنت أتصور أن الأمر يسير، لكنه عسير، وبناء بيت أو عمارة أو برج سكني أيسر في الإجراءات من الفوز بالموافقة على بناء مدفن، هذه قصة شديدة الإثارة والغرابة سيأتي يوم ونسجل تفاصيلها.

أخرجني من هذا الانشغال، قصة أخرى شغلت مواقع التواصل والمنصات الرقمية والفضاء العام في مصر خلال الأيام الأخيرة، وتتعلق بشاب اسمه عبد الرحمن خالد، درس الإعلام في الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام التابعة لمدينة الإنتاج الإعلامي، وهي مرفق تعليمي خاص بمصاريف سنوية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

هذا الشاب صمم “فيديو” بتقنية الذكاء الاصطناعي بمبادرة فردية منه للترويج للمتحف المصري الكبير، وقد تخيل وصمم ونفذ الفيديو عن الافتتاح مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، هو اجتهد وصنع محتوى متوافقا مع طبيعة دراسته العلمية.

لكنه فورا وجد نفسه مقبوضا عليه بسبب هذا الفيديو الذي راج بشكل واسع بعد أن نشره على صفحته على فيسبوك، وقد استهدفته وزارة السياحة والآثار، وقدَّمت بلاغا ضده باعتبار الفيديو لا يمثل الإعلان الرسمي الخاص باحتفالية افتتاح المتحف، فقامت وزارة الداخلية بالقبض عليه.

وكان محظوظا، فلم يمكث في الحبس أكثر من 24 ساعة، إذ أفرجت النيابة عنه بعد أن تنازلت وزارة السياحة عن بلاغها ضده.

لماذا التراجع عن البلاغ؟

وفي اجتهادي، فإن تراجع الوزارة سريعا عن موقفها الحاد ضده يرجع إلى التالي:

1- وزارة السياحة بدت كما لو كانت تحارب شابا أراد أن يصنع شيئا جميلا يتعلق بالمتحف، مُقدما رؤية شخصية بصرية وسمعية، ولو محدودة وبسيطة، لمشاركته في هذا الحدث.

2- شعبية عبد الرحمن اتسعت بسبب الفيديو الذي تم صنعه بمبادرة فردية ذات بعد تاريخي تراثي وطني لمناسبة تستعد لها الدولة بشكل كبير منذ مدة طويلة، وهذا المتحف أحد أهم مشروعاتها الكبرى في الآثار.

3- صفحة الشاب على فيسبوك أسهمت في عدم الاشتباه بنياته أو التربص به أو التفتيش في قلبه وعقله أو احتسابه ضمن العملاء المتخفين، ذلك أن منشوراته تمجد في مصر كبلد صاحب شواهد آثارية وحضارية وتاريخية، علاوة على تعظيمه لقدرات الجيش.

4- وزارة السياحة، بما يعني الحكومة، بما يعني السلطة، ظهرت كما لو كانت تستهدف الشباب الواعد صاحب الروح الخلاقة والاجتهادات لتقديم أعمال وتجارب يمكن البناء عليها وتطويرها، ليكون نموذجا لوجود مبدعين وعباقرة على الطريق يستحقون التشجيع وليس الحبس والتنكيل.

البرمجة.. والمطاردة

هل تتذكرون حديثا من قمة السلطة عن المبرمجين ومكاسبهم الكبيرة وضرورة تحفيز الشباب للدخول في هذا المجال العلمي، لأن ذلك أفضل كثيرا لهم وللبلد من دراسة الآداب والجغرافيا والعلوم الإنسانية؟

من يتذكر هذا التوجيه أو تلك النصيحة ثم يجد شابا يستثمر تقنية جديدة العالم كله مهتم بها (الذكاء الاصطناعي)، ويصمم “فيديو” ترويجيا وهو جالس في ركن في بيته دون أن يتكلف شيئا، ثم يجد هذا الفيديو انتشارا واسعا، ويُعجب كثيرون به ويتصورون أنه الإعلان الترويجي لافتتاح المتحف، فالمعنى هنا أن السلطة، عبر وزارة السياحة، تضرب دعوة الشباب للانخراط في البرمجة والرقمنة وتكنولوجيا الاتصال والإنترنت.

ويتصادف -كمفارقة مدهشة- أن الحكومة التي تشن حملة ضد مقدمي المحتوى الهابط على منصات رقمية لأجل حصد المال، فإنها في الوقت نفسه تطارد من يقدّمون محتوى علميا جادا يخدم أهدافها مجانا مثل الشاب عبد الرحمن خالد، وهنا يظهر التضارب والتناقض واختلاط الأوراق وارتباك الأهداف وغياب الرؤية وعتمة المسار.

ضوابط ومسؤوليات

مع هذا، ورغم تعاطفنا مثل كثيرين مع صاحب فيديو المتحف، لكن هناك ضوابط لم ينتبه إليها عبد الرحمن، وهناك مسؤوليات قانونية لم يتبينها، ربما أخذته القدرة على توليف محتوى بالذكاء الاصطناعي، وشغفته روح المبادرة والمغامرة، فاستحضر في الفيديو أشخاصا لهم حيثية عالمية وقدَّمهم في المتحف كما لو كانوا يروّجون له وللافتتاح، وأبرز اثنين هما لاعبا كرة القدم: الأرجنتيني ليونيل ميسي، والمصري محمد صلاح.

وهنا سيكون من حقهما منع الفيديو، كما لهما الحق في طلب تعويضات، فلا استخدام لأي شيء يتعلق بهما إلا وفق اتفاقات سابقة معهما أو مع الرعاة لهما.

كما استخدم لقطات لفنانين مصريين، مثل يسرا ومنى ذكي ونيللي كريم وكريم عبد العزيز، وهم مثل ميسي وصلاح لهم حقوق وفق قوانين الملكية الفكرية.

ورغم تجربة الفيديو المعقولة، لكنها قد تشوش على ما يتم إعداده حاليا من حملة ترويجية للافتتاح الذي تستهدف مصر من ورائه أن يكون المتحف عامل جذب سياحي أوسع وأكبر.

وهنا يلفت انتباهي نقطتان:

الأولى: أنني لم أعرف اسم وزير السياحة والآثار إلا لما قرأت قصة عبد الرحمن والقبض عليه (اسمه شريف فتحي).

وعدت إلى أيام مضت، كانت أسماء الوزراء معروفة ومشهورة، ولأنني انتمي إلى مجال الصحافة حيث يُفترض أن تكون أسماء كل أو معظم المسؤولين حاضرة في الذهن، وعندما لا يحدث ذلك لي ولآخرين غيري كثر، فإن المشكلة هنا تتحملها حكومة رجالها أقرب إلى موظفين قادمين من الظل ولا يغادرون هذا الظل.

الثانية: قرأت أن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية هي المكلفة بالحملة الترويجية للمتحف، وهذه الشركة تهيمن على وسائط الإعلام والفن والإعلان ومختلف نوافذ القوى الناعمة.

وهذا يعني أن تكليفها بالترويج للمتحف هو جزء من الاستحواذ، وغالبا المقابل المالي المدفوع لها من الحكومة سيكون كبيرا، وهنا نسأل: لماذا لا يتم الاستعانة بشاب مثل عبد الرحمن خالد، وآخرين بارعين ومتخصصين في التكنولوجيا مثله، لطرح أفكار وبناء تصورات وتصميم حملات شاملة للمتحف، ولغيره من مشروعات ومناسبات تستلزم التنشيط لها، والمدفوع لهم سيكون قليلا جدا مقارنة بما يُدفع إلى “المتحدة”، أو شركات خاصة محلية أو عالمية، والأهم أن الفرص التي ستُمنح إلى الشباب المؤهلين ستكون حافزا لإبراز مواهبهم وقدراتهم، والكشف عن طموحاتهم، وتعزيز إبداعاتهم وتنميتها.

أما الاستهداف والبلاغات والمطاردات والحبس، فهي قتل للأمل ودفع إلى اليأس والإحباط.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان