خطوات عاجلة في مواجهة التهجير

الهدف هو التهجير، وقد بدا الموقف المصري أكثر من مجرد رفض رسمي، إذ تحول إلى عنوان لمعادلة إقليمية جديدة (الأناضول)

في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تغيرت خريطة الشرق الأوسط القديمة. هذه حقيقة لا تخطئها العين.
لم تعد الحسابات السياسية والاستراتيجية لها نفس الأبعاد، ولم تعد المنطقة تحكمها نفس التوازنات التقليدية التي استمرت عشرات السنين.
سقط النظام السوري، وتأثرت قوة حزب الله اللبناني بعد الحرب الأخيرة التي فقد فيها قيادته ورمزه التاريخي حسن نصر الله.
الحرب الإيرانية الإسرائيلية بدت جرس إنذار لإيران التي تضرر مشروعها النووي بضربات أمريكية مؤثرة حتى ولو كانت غير ساحقة.
حوصرت المقاومة الفلسطينية على مدار عامين من الحرب.
وبرغم صمودها الأسطوري طوال الشهور الماضية وهي تواجه حرب إبادة ممنهجة، فإن ما حدث في غزة وما قدمته من تضحيات وصلت لآلاف الشهداء والجرحى، وهدم كامل للبنية التحتية من طرق ومستشفيات ومدارس وحتى البيوت، صنع تغييرا في المشهد الداخلي الفلسطيني.
الأمم المتحدة تعلن رسميا أن غزة تعاني من المجاعة.
تهجير قسري يتم تجهيزه بسلاح التجويع، بعد أن بدأ بسلاح الإبادة الجماعية.

لكن على الجانب الآخر بدت إسرائيل، التي كانت مطمئنة لسنوات لدعم أمريكي بلا سقف، محاصرة بانتقادات شعبية عالمية، وتراجع التعاطف الدولي بشكل غير مسبوق.
في هذا المشهد الجديد بتعقيداته تقف مصر في قلب المعادلة.
الجار الأول لغزة وصاحب الدور التاريخي يواجه رغبة إسرائيلية محمومة ومجنونة لإنهاء الحرب عبر تهجير ملايين الفلسطينيين إلى سيناء.

في مواجهة تغييرات تاريخية بدأت منذ السابع من أكتوبر وجدت مصر الرسمية نفسها أمام موقف تاريخي لا بد من اتخاذه والتمسك به مهما تصاعدت الضغوط.
بتعبير أوضح، فإن اللحظة فرضت مشهدا يقول إن مصر هي الدولة الوحيدة التي إذا انحنت أمام مشروع التهجير سقطت معه فكرة فلسطين كلها.

بدا الموقف المصري أكثر من مجرد رفض رسمي، بل تحول إلى عنوان لمعادلة إقليمية جديدة.
لا تدافع مصر هنا عن أمنها القومي فقط، بل تتمسك ببقاء القضية الفلسطينية حية دون الإنهاء التاريخي والكامل.
أدركت السلطة في مصر أن الأمن القومي المصري في هذه اللحظة لا ينفصل عن الوجود الفلسطيني، وأن الحدود الشرقية لا يمكن أن تُفتح إلا لمرور المساعدات، لا لتهجير البشر.
رفضت السلطة المصرية التهجير بحسم، لكنها لا تزال مترددة في استخدام أوراقها السياسية والدبلوماسية الكاملة والمؤثرة والثقيلة.

تجميد معاهدة السلام

بدواعي الحفاظ على الأمن القومي المصري وحماية القضية الفلسطينية يصبح استخدام ورقة معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مهما وضروريا.
بات التلويح بتجميد معاهدة السلام مع إسرائيل وسيلة ترسم طريقا جديدا كأحد أقوى أوراق القاهرة.
بقراءة تاريخية جادة، فإن معاهدة السلام التي استمرت لأكثر من أربعة عقود لم تكن هبة مجانية، بل جاءت بثمن باهظ من الدماء والحروب والمفاوضات الطويلة.

الرسائل الرسمية المصرية للعالم يجب أن تكون واضحة: هذا السلام قائم على التوازن لا على الخضوع، ثم إن هناك ضرورة لتذكير الكيان المحتل -عبر القنوات الدبلوماسية- أن الكلفة السياسية والعسكرية لأي صدام محتمل مع مصر أكبر من قدرته على التحمل.
هي دبلوماسية خشنة وحادة جاء أوانها.
في كل أزمة مصرية إسرائيلية رسمية كانت الدبلوماسية الناعمة هي صاحبة الصوت الأعلى.
الآن بدا صوت الدبلوماسية الخشنة مطلوبا أكثر من أي وقت مضى.

واجب اللحظة هو إعلان القاهرة أن استمرار الضغوط لتهجير الفلسطينيين قد يضع المعاهدة على الطاولة من جديد، ويطيح بها إلى سجلات التاريخ.
إذا تحوّل السلام إلى غطاء لمشروع التهجير أو تصفية القضية، فإن قيمته تسقط للأبد.
في تأكيد مصر الرسمية أنها قادرة على إعادة تعريف قواعد الاشتباك تغيير كامل للمعادلة التي يسعى الكيان المحتل إلى فرضها.

التلويح بتجميد المعاهدة هو غضب سياسي مشروع ومطلوب، ورسالة تذكير للاحتلال والعالم بأن مصر ليست مجرد وسيط، بل طرف رئيسي قادر على تغيير قواعد اللعبة إذا انتهك الاحتلال الخطوط الحمراء، ومضى في اللعب على حافة المساحات الخطرة.

الشعوب ورقة مؤثرة

في إعادة تعريف المواجهة ورسم قواعد جديدة للاشتباك لا يمكن أن يظل صوت الشعوب محاصرا وممنوعا.
إدخال الشعوب إلى قلب المعادلة صار الآن ضرورة استراتيجية قصوى.
عاشت القضية الفلسطينية على مدى عقود باعتبارها قضية وجدان عربي.
ينبض اسم فلسطين في الشوارع قبل أن يُذكر في القمم.

في مصر وفي كثير من العواصم العربية، بدا واضحا أن الشعوب ما زالت تحتفظ بالذاكرة الحية، ووضح أن هناك إدراكا بأن التهجير يعني محو القضية، وأن ما يحدث في غزة لا ينفصل عن حاضر ومستقبل المنطقة العربية.
بكل الحسابات السياسية، فإن فتح الباب أمام الشعوب لتتحرك عبر المظاهرات والاحتجاجات هو الطريق الذي يضمن أن الضغط سيتضاعف على الكيان الإرهابي المحتل ويصل صداه إلى العالم.

رسائل الشعوب للعالم وقتها ستكون حاسمة: ما تحاول إسرائيل فرضه ليست خطوة ستمر مرور الكرام.
الآن تبدو اللحظة مواتية لرسائل شعبية واضحة: الاحتلال في مواجهة مع ملايين البشر الذين لن يقبلوا أن تتحول سيناء إلى مقبرة لفلسطين وقضيتها.
الصوت الشعبي الآن مطلوب وفارق.

تكامل الموقف الشعبي والرسمي

بإدراك أن المشهد القائم يحتاج لتكامل شعبي ورسمي يمكن تحسين الموقف في مواجهة الاحتلال.
موقف رسمي يرسم الحدود تحصنه أصوات ملايين غاضبة ورافضة لحرب الإبادة.
لا انفصال بين الموقفين في لحظات الخطر التي ترسم المستقبل لسنوات طويلة.
إهدار أي من الأوراق التي يمكن أن تساهم في إجهاض مشروع التهجير الملعون خطأ سياسي فادح.

التلويح بتجميد معاهدة السلام هو أحد أكثر أوراق الضغط فاعلية.
هي خطوة تضرب في عمق ما اعتادت عليه إسرائيل: أن مصر ستظل الطرف الهادئ الضامن للاستقرار.
الرسالة إذا حدثت تعني أن الاستقرار نفسه مهدد بتجاوز دولة الاحتلال لحدودها.
هذه الخطوة تعني تحوّلا سياسيا يغير موازين القوى ويعيد رسم الخريطة، لكنه يكتمل بضغط وحراك شعبي عربي فاعل وغير مسبوق، يضع الاحتلال في مأزق مع حلفائه، فهؤلاء يخشون من أي صدام شعبي بمصالحهم، ويدركون مدى تراكم منسوب الغضب لدى هذه الشعوب وهي تشاهد جنون حرب الإبادة التي فاقت أي عقل.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان