مصير “أبو عبيدة”؟

الناطق باسم كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) أبو عبيدة.. أطل على الأمة العربية والإسلامية، بخطاباته التي تحويها مقاطع فيديو، سرعان ما تكون هي الأكثر انتشارًا، ومشاهدة فور بثها.
منذ ظهوره الأول قبل نحو 20 عامًا، احتل مكانة رفيعة في عقول، وقلوب، وأفئدة عشرات الملايين من العرب والمسلمين. رغم أنه ملثم، محجوب الوجه، إلا أن حضوره قوي، ثري، مفعم بمشاعر الإيمان، والمجد، والعزة، والكرامة. الكل يترقب ظهوره، حتى الإسرائيليون، فرغم تجاهل وسائل إعلامهم لخطب أبي عبيدة، فإنهم يتداولونها على صفحاتهم، ومنصاتهم، مترجمة إلى العبرية (لغة اليهود).
مؤسسة إعلامية عملاقة.. وجيش للحرب النفسية
أبو عبيدة: حالة إعلامية فريدة يستخدم الكلمة بذكاء وحنكة فائقين.. يطوعها ليصنع وعيًا لدى الجماهير العربية التي كانت قد شبعت يأسًا، وإحباطًا، واستسلامًا، بفعل الهوان العربي ومهادنة العدو الإسرائيلي. إنه بمفرده، يعد مؤسسة إعلامية عملاقة، متقدمة فكرًا ومحتوى.. هو جيش ضخم، يخوض حربًا نفسية فائقة الجودة والدهاء فيضرب بها معنويات الكيان بشدة. فقد أجاد استغلال اللغة وسك المفردات لتحقير الكيان، بأوصافه وكلماته، على شاكلة كيان هش، مؤقت، عابر، قابل للزوال، أوهن من بيت العنكبوت.. العدو المجرم، الجبان، العالق في رمال غزة، الذي يهرب من أشباحه. واصفًا مستوطني الأراضي المحتلة بأنهم لمم، لا جذور لهم، ولا رابط بينهم، بما يشي بأنه كيان غير متماسك.
أبو عبيدة.. وجلعاد شاليط
الفارس أبو عبيدة، قد يكون حيًا يُرزق، وربما، أكرمه الله، فنال الشهادة، التي يتمناها كل مقاوم، وترجل راحلًا، فليس مؤكدًا، ما زعمه قادة دولة الاحتلال، عن وفاته، نتيجة عملية عسكرية استهدفت منزله في غزة. مزاعم دولة الاحتلال عن اغتياله لا قيمة لها ولا مصداقية، إلا إذا أكّدتها أو نفتها حماس (رسميًا).
الكيان الصهيوني كله يحتفي بمزاعم وفاة أبي عبيدة.. رغم هذا، فهو أكثر تلهفًا على إعلان رسمي من حماس، إن كان حيًا، أو استُشهد.
الملثم أبو عبيدة، ظهر لأول مرة، أثناء معركة أيام الغضب في غزة (أكتوبر/ تشرين الأول 2004) مسلحًا، مرتديًا قناعًا أسود، محاطًا بحراس، على هيئة مماثلة له.. ليعقد المؤتمر الصحفي الأول لكتائب القسام داخل مسجد النور شمالي مدينة غزة. تم تكليفه، عام 2006، متحدثًا إعلاميًّا للقسام. آنذاك، أعلن عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، فكان إعلانه صدمة قوية، وإهانة لجيش الاحتلال، وزلزالًا للمستوطنين في الأراضي المحتلة، والبداية لالتفات الجمهور العربي، و”الإسرائيلي” إليه، وترقب عشرات الملايين (عربًا، ومسلمين، وإسرائيليين) لظهوره.
اغتيال السنوار مرات عديدة.. ومعركة تل السلطان
منذ ذلك الحين، وجيش الاحتلال، لا يكف من آن لآخر عن إعلان استهداف أبي عبيدة وتصفيته، مثلما حدث، أعوام 2006، و2008، و2012، و2014، وآخر هذه الإعلانات عن استهدافه كان يوم 25/10/2023. تمامًا، مثلما أعلن الاحتلال عن تصفية قادة للمقاومة الفلسطينية في العديد من المرات.. ثم يتبين لاحقًا، أنهم أحياء، ويظهرون علنًا أو يوجهون رسائل، وما شابه.
الأمثلة كثيرة، نكتفي منها برئيس حركة حماس السابق الشهيد البطل يحيى السنوار (1962-2024).. ادعى الكيان استهدافه وتصفيته أثناء معركة سيف القدس (مايو/ أيار 2021)، ليظهر بعدها في مهرجان مقام في غزة. مثلما زعم، جيش الاحتلال، اغتياله في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.. إلا أن السنوار ظهر، بعدها، في شارع ابن سينا، بحي تل السلطان غرب مدينة رفح، وخاض معركة بطولية واستشهد في تبادل لإطلاق النار مع جنود جيش الاحتلال (16/10/2024).
أطراف ثلاثة مستهدفة إسرائيليًا
لماذا تخاطر دولة الاحتلال بالإعلان عن اغتيال قادة المقاومة (ومنهم أبو عبيدة)، دون أن تكون على يقين بوفاتهم (استشهادهم)؟
يبعث الاحتلال، من خلال هذه الإعلانات برسائل لأطراف ثلاثة: أولها؛ للمستوطنين في الداخل، بتسويق هذه الاغتيالات سواء صحيحة أو العكس لرفع معنويات جمهوره، وإظهارها كإنجازات عسكرية عوضًا عن إخفاقاته الميدانية في غزة، ومقتل جنوده.
وكذا تهدئة عائلات الجنود وذوي أسراه في غزة، لتخفيف ضغوط الأصوات المطالبة بوقف الحرب.
ثانيها؛ للفلسطينيين، حربًا نفسية عليهم، فالترويج لهذه الاغتيالات (المزعومة أحيانًا)، يستهدف نشر الحسرة وخيبة الأمل بينهم، وضرب معنوياتهم سواء في الشارع الفلسطيني، أو صفوف المقاومة. وإيهامهم جميعًا، بأن حركة حماس تنهار، ولن تصمد، وفي طريقها للتفكك والتلاشي، والاستسلام.
القدس.. والعقيدة
هذا لا يعني فعالية هذه الوسيلة (الاغتيالات المزعومة)، بل العكس هو الصحيح، فالحاضنة الشعبية للمقاومة تزداد تماسكا في ظل هذه الضغوط. أما رجال المقاومة، فهم يقاتلون، مسلحين بعقيدة دينية، وإيمان بعدالة قضيتهم، وأن القدس لنا نحن المسلمين، وشعارهم: إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد.
فالموت، هو أسمى أمانيهم يقبلون عليه ولا يفرون، ويحبونه، بأكثر من حب الحياة لدى العدو (جنودًا ومستوطنين).
الطرف الثالث والأخير المستهدف برسائل دولة الاحتلال من سياسة الاغتيالات، هو الحلفاء الداعمون له في جرائمه، وهم أمريكا وبريطانيا، وغيرهما، لإقناعهم باستمرار الدعم، كون إسرائيل هي الأداة لهذه الدول الاستعمارية (بأساليب مستحدثة) للسيطرة على المنطقة وتوظيفها وثرواتها لخدمة أجندتهم.
الاغتيالات.. وغموض حماس
حركة حماس من جانبها، اعتادت ألا تتسرع بتأكيد أو نفي مزاعم جيش الاحتلال، عن اغتيال قادتها، فتلجأ للتجاهل والصمت، كأن الأمر لا يعنيها. الحركة، تقصد بهذا النهج إثارة الغموض والريبة لدى الاحتلال، فإذا أكدت استشهاد أحد المستهدفين، فهذا يكون متأخرًا وليس فورًا بغية إضفاء الغموض على المشهد، لتقليل زهو الاحتلال، وإرباكه نفسيًا. وتجدر الإشارة إلى أن الظروف الميدانية في ظل الحرب، لا تتيح التأكد فورًا، مما إذا كان القائد المستهدف إسرائيليًا قد استشهد.. أم إن الاتصال به مفقود؟ أما إذا كان الهدف حيًا، فإنه قد يظهر لاحقًا، بما يثير السخرية من مزاعم اغتياله.
عودة إلى أبي عبيدة؛ وفقًا لما تخبرنا به علوم الاتصال، فإن قوة تأثيره وفعالية خطاباته ترجع إلى المصداقية، التي يتمتع بها، فهو يتحدث باسم المقاومة، ومن وسط نيران الحرب في غزة، ويمتلك لغة عاطفية، وقدرة على توظيفها لإثارة الشعور بالعزة، والكرامة، والإيمان مع تماسك خطابه منطقيًا، ودعمه بالبيانات، والوقائع العسكرية الميدانية. يبقى مصير أبي عبيدة رهينًا بإعلان من حماس، ليقطع الشك باليقين.
نسأل الله النصر للمقاومة الفلسطينية.
