عقوبات اقتصادية على الكيان.. هل تفعلها أوروبا؟

خريطة أوروبا تحاصر علم إسرائيل.. العقوبات تقترب من قلب الاحتلال (الذكاء الاصطناعي)

لطالما ظن الكيان الصهيوني أن جرائمه خارج نطاق المساءلة، لكن تأتي الصدمة هذه المرة من حليف تاريخي غير متوقع: الاتحاد الأوروبي، الذي يستعد لمناقشة عقوبات اقتصادية على إسرائيل لأول مرة في تاريخه، مع احتمال أن يُمس الاقتصاد الإسرائيلي مباشرة عبر صادراته الأوروبية التي تصل إلى نحو 17 مليار يورو سنويًّا.

فمنذ اندلاع الحرب على غزة وتصاعد عدد الضحايا المدنيين، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا صعبًا يتمثل في تحقيق توازن بين قيمه الإنسانية التي طالما تغنى بها، ومصالحه الاقتصادية والسياسية مع الكيان المحتل من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

يشكل هذا التحدي أصعب اختبار للقارة العجوز، لا سيما مع بدء الهجوم البري على غزة وظهور ملف التهجير القسري بقوة، إلى جانب استمرار العدوان على الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات والاعتداء على بعض الدول العربية. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًّا: هل سيكتفي الاتحاد الأوروبي بالخطابات الرسمية والدعوات الإنسانية أم سيتجه فعليًّا نحو فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إسرائيل؟

لا بد هنا من الإشارة إلى أن جزءًا من النقاش الأوروبي بشأن العقوبات على إسرائيل يرتبط بمقارنة الموقف بما حدث مع روسيا، حيث ظل الاتحاد الأوروبي يتلكأ في اتخاذ موقف حازم من جرائم نتنياهو وحزبه المتطرف، بينما لم يتردد في فرض عقوبات شاملة على موسكو بعد غزوها أوكرانيا. وهذا يضع معيارًا واضحًا لقياس موقف أوروبا من الجرائم الإنسانية، لا سيما حين يكون المجرم حليفًا لها.

الكاتب الصحفي الفرنسي أوليفييه بروير ترجم هذه الازدواجية حين قال “الأمر بسيط جدًّا، تأخذ كل الاتفاقات الأوروبية منذ 2022، المكتوب عليها عقوبات على روسيا، وتستبدل إسرائيل بها، وقتها ستوقف الصراع خلال 48 ساعة. أسبوع على أقصى تقدير. نفرض حظرًا فوريًّا على كل شيء. اقتصادهم ينهار بسرعة كبيرة جدًّا، إذَن لدينا الإمكانية إن أردنا وقف الصراع بسهولة كبيرة ًّدًا، لكننا لا نريد ذلك”.

والواقع أن الضغط الداخلي والشعبي كان من أهم الدوافع التي دفعت دولًا مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا لتحريك ملف العقوبات الاقتصادية والسياسية ضد إسرائيل، مؤكدين أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى الخروج من عباءة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن ضعفت مصداقية دول أوروبا أمام شعوبها بوصفها مدافِعة عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.

فإسبانيا اعتبرت تجاوز الكيان الإسرائيلي للخطوط الحمراء في غزة سببًا كافيًا لتحريك ملف العقوبات، أما أيرلندا فقد كانت تاريخيًّا معارضة للاستيطان وداعمة للحقوق الفلسطينية، وسبق أن ضغطت لوقف استيراد منتجات المستوطنات باعتبارها غير شرعية، داعية إلى التمسك بحق العقوبات. في حين تُعَد بلجيكا وعاصمتها بروكسل قلب السياسة الأوروبية، حيث تحتضن المفوضية الأوروبية، كما تستضيف المدينة فعاليات حقوقية مهمة، مما جعلها منصة مؤثرة لدفع ملف العقوبات على إسرائيل.

الأثر الاقتصادي

الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، حيث تتجه نحو 30% من صادرات الكيان إلى الأسواق الأوروبية، بما يوازي نحو 17-18 مليار يورو سنويًّا وفقًا لتقارير 2023، وتتنوع الصادرات ما بين الكيماويات والأسمدة والأدوية والمنتجات الطبية والزراعية والإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن العقوبات التجارية الجزئية على دولة الكيان، إذا أُقرت، ستؤدي إلى خسارة محتملة تُقدَّر بين 3 و5 مليارات يورو سنويًا بنسبة 1 إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

أما إذا فُرضت عقوبات شاملة فإنها ستؤدي إلى خسارة محتملة تتراوح بين 10 و12 مليار يورو سنويًّا بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي للكيان، مما سيؤثر في سعر صرف الشيكل ويزيد من معدلات التضخم.

أما العقوبات السياسية فتشمل: إدراج وزراء إسرائيليين متطرفين (إيتمار بن غفير، بتسلئيل سموتريتش) على قوائم العقوبات، بما يشمل حظر السفر وتجميد الأصول، إضافة إلى عقوبات على مستوطنين ضالعين بالعنف في الضفة الغربية.

الدول المعرقلة أو المترددة

لم يُقرَّر حتى الآن موعد الاجتماع المرتقب لأعضاء الاتحاد الأوروبي للمناقشة والتصويت على العقوبات، ولكن من المتوقع أن يجري التصويت على القرار أو مناقشته بجدية في الاجتماع القادم في مطلع أكتوبر/تشرين الأول.

عمليًّا، هناك دول أوروبية ستحاول عرقلة مسار العقوبات، من أبرزها ألمانيا والمجر والتشيك والنمسا، إذ قد تلوّح بالرفض في حال التصويت على القرار حرصًا على علاقتها مع الكيان وأمريكا.

وفي موازاة ذلك، نجد دولًا تقف في المنتصف مثل فرنسا وإيطاليا، هاتان الدولتان لا تعارضان مبدأ الضغط على إسرائيل، لكنهما تفضلان خطوات تدريجية لتفادي التصعيد الاقتصادي والسياسي.

وإزاء هذه العقوبات التجارية والسياسية المحتملة من الاتحاد الأوروبي، لن يكون أمام إسرائيل خيار سوى محاولة الضغط على الاتحاد عبر الولايات المتحدة، وهو مسار يصعب التنبؤ بنتائجه. أما سياسيًّا وداخليًّا، فقد يستخدم الكيان ملف العقوبات الأوروبية لتوحيد الدعم الداخلي مع تصوير تلك العقوبات على أنها تحيز سياسي وعداء للسامية.

إجراءات غير مسبوقة

لا شك أن هذا الوضع، وإن كان في رأي البعض غير كاف مقارنة بحجم الانتهاكات الإسرائيلية، لكنه يُعَد سابقة في تاريخ العلاقات الأوروبية الإسرائيلية، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية. فإسرائيل واجهت سابقًا إدانات أوروبية وضغطًا دبلوماسيًّا بسبب الاستيطان والحرب على غزة، لكن لم تصل هذه الإدانات إلى اقتراح عقوبات اقتصادية مباشرة على صادراتها بهذا الحجم.

التصعيد الغربي غير المسبوق ضد الكيان المحتل يثبت أن كبح جرائم الصهيونية ووقف غطرستها لن يحدث بين ليلة وضحاها. ورغم أن العقوبات الأوروبية قد لا تشل الاقتصاد الإسرائيلي بالكامل، فإنها تمثل خطوة تاريخية مؤثرة قد تلهم دولًا أخرى لتقليدها. ومن هذا المنطلق، يظل تعزيز الضغوط وفرض المزيد من العقوبات ضرورة حتمية لاستكمال هذا المسار. فإسرائيل اليوم تواجه عزلة حقيقية باعتراف قادتها، في حين بدأ المجتمع الأوروبي ومعظم حكوماته يبتعد عنها تدريجيًّا، خشية التورط في دعم الإبادة والانتهاك الصريح للقانون الدولي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان