هل ينتقل المشروع النووي الإيراني من خانة الحرام إلى الحلال؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماع على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في الصين (رويترز)

الضغوط الأوروبية الحالية على إيران لوقف برنامجها النووي هي اعتراف بفشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي في يونيو/حزيران الماضي في تدمير هذا المشروع، وهي بالتالي تريد استكمال المهمة عبر تهيئة الأجواء لبناء تحالف دولي واسع ضد إيران، يتم من خلاله شن هجمات واسعة وممتدة تنتهي بتدمير المشروع النووي وإسقاط النظام ذاته.

رغم الغصّة التي تركتها إيران في حلوقنا بسبب مشاركتها في قمع الثورة السورية وأدوار أخرى في بعض الدول العربية، فإن ما تعرضت له من عدوان في يونيو الماضي، وما تتعرض له من ضغوط أوروبية حاليا، هو بلطجة سياسية فجة ومرفوضة، تمارسها عواصم الهيمنة الاستعمارية الدولية التي فرضت هيمنتها على العالم من قبل في شكل الاستعمار التقليدي، وتفرضها حاليا بطرق جديدة، تصل إلى النتيجة ذاتها، وهي احتكار هذه العواصم للهيمنة وإدارة العالم بما يخدم سياساتها وعقائدها ومصالحها، وعدم السماح لأي دولة بتحدي هذه الهيمنة.

تفاوض تحت التهديد

عقب فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي، كادت بعض الوساطات تجمع طهران وواشنطن مجددا على طاولة تفاوض جديدة، لكن الموقف الأوروبي الجديد أحدث توترا جديدا على المشهد، فهو يدعو إلى التفاوض تحت التهديد، وهو لا يريد تفاوضا بل يريد استسلاما إيرانيا للمطالب الغربية بأن تدمر إيران بنفسها ما أنتجته من يورانيوم مخصب، وأن تفتح منشآتها النووية أمام المحققين الدوليين دون أي عوائق. أما الشرط غير المكتوب، وهو بيت القصيد غالبا، فهو الحصول على التزام من إيران بعدم تهديد الأمن الإسرائيلي، وهذا لا يقتصر على دولة إيران بل يشمل حلفاءها وأذرعها أيضا.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

امتلاك الطاقة النووية السلمية حق مشروع لكل الدول، وفقا للمواثيق والاتفاقات الدولية، وتشرف هيئة الطاقة الدولية بشكل تقني على هذه المشروعات، بل وتقدّم إليها الدعم اللازم بعد تأكدها من سلميتها. لكن عواصم الهيمنة العالمية تقف بالمرصاد لأي دولة لا تنتمي إلى ثقافتها وتقاليدها، وتعرقل حصولها على هذه الطاقة، لأنها تستبطن دوما إمكانية تحوُّل هذه الطاقة من سلمية إلى عسكرية، وهو ما يهدد نفوذها وهيمنتها واحتكارها العضوية في النادي النووي الدولي. وحتى امتلاك الطاقة النووية العسكرية يُفترض أن يكون متاحا لمن يريد، ما دامت بعض الدول لا تزال تمتلك هذه الأسلحة النووية، ورفضت نزعها وتدميرها رغم وجود اتفاقات دولية تفرض ذلك.

هناك دول نجحت في الفكاك من هذا الحصار النووي الدولي، وتمكنت من امتلاك القنبلة النووية، ومنها الهند وباكستان وكوريا الشمالية. كما أن الكيان الصهيوني يمتلك مشروعا نوويا عسكريا، وبينما مر هذا المشروع الإسرائيلي بهدوء، واجهت المشروعات الأخرى محاولات كثيرة للعرقلة. ورغم الحديث النظري عن ضرورة تخليص العالم من السلاح النووي، فإن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أكد في عام 2023 أن إجمالي عدد الرؤوس الحربية النووية في العالم وصل إلى 12512، منها 9576 رأسا محتفظا بها في المخازن العسكرية، و3844 رأسا محمولا على الصواريخ، و2000 رأس حربي، معظمها من روسيا والولايات المتحدة، مجهزة للإنذارات النووية العالية.

السلاح النووي حرام!

حين شرعت إيران في مشروعها النووي أكدت سلميته، ووافقت على رقابة هيئة الطاقة الذرية العالمية عليه. ومع تصاعد المخاوف الغربية من نيات المشروع النووي الإيراني، وعقب الغزو الأمريكي للعراق في مارس/آذار 2003 بزعم امتلاكه السلاح النووي، أصدر المرشد الأعلى خامنئي في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته فتوى بتحريم امتلاك إيران لأسلحة الدمار الشامل. وأعلنت الحكومة الإيرانية هذه الفتوى في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في أغسطس/آب 2015 كضمانة شرعية ورسالة طمأنة قوية للغرب.

وحين تعرضت إيران ومنشآتها النووية لضربات أمريكية إسرائيلية في يونيو 2025، تصاعد الحديث في إيران عن ضرورة الرد على هذا العدوان، وكان ضمن هذه النقاشات مراجعة عقيدة إيران النووية المبنية على تلك الفتوى، بما يعني التخلي عنها والسعي لامتلاك السلاح النووي، خاصة إذا كانت إيران تمتلك الإمكانات التقنية لذلك من حيث كميات اليورانيوم المخصب بنسب عالية، والمسارعة في الوصول بهذه النسب للقيام بتفجير نووي تفرض به إيران نفسها دولة نووية، كما حدث مع الهند وباكستان وكوريا الشمالية من قبل.

تغيير العقيدة النووية الإيرانية من الناحية النظرية ليس مستحيلا، فالبرلمان الإيراني بصدد مناقشة وإقرار قانون جديد يفتح الباب لهذا التغيير، والمرشد الذي أصدر فتوى التحريم لا يزال حيا يُرزق، ويمكنه إصدار فتوى معاكسة استنادا إلى قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، إذ يمكن تكييف الأزمة باعتبار أن إيران تتعرض لخطر وجودي يستلزم المسارعة إلى امتلاك السلاح النووي للدفاع عن وجودها.

تداعيات المواجهة المحتملة

قرار كهذا، وإن بدا ممكنا من الناحية النظرية، فإنه سيكون ذا تداعيات كبيرة على إيران أن تكون جاهزة لتحمُّلها، فهو يعني الدخول في حرب مفتوحة مع تحالف دولي واسع تستطيع واشنطن ومعها الترويكا الأوروبية تأسيسه بشكل سريع، وهو يعني أن إيران ستتعرض لحصار اقتصادي خانق قد يدفع الشعب إلى الانفجار، خاصة أن قطاعا كبيرا منه عارض المشروع النووي، واعتبره سببا في معاناته خلال السنوات الماضية. كما أن بعض المعارضين للنظام هم من وفروا المعلومات للأمريكيين والإسرائيليين عن المنشآت النووية والأهداف المدنية التي تعرضت للضرب مرات عدة من قبل. وقد يكون الثمن الأكبر لقرار كهذا في نهاية المطاف هو انهيار النظام الإيراني نفسه.

لكن إيران، إذا كانت قد أعدت للأمر عدته، وتمكنت من نسج تحالفات صلبة تمنع انهيارها في أي حرب جديدة، وتمنحها القدرة على مواجهة الحصار الاقتصادي الخانق المتوقع، فقد تتمكن من تحقيق حلمها الخفي بامتلاك السلاح النووي، عبر تفجير تفاجئ به العالم، وتخلط به الأوراق، وتفرض على الجميع قواعد جديدة للتعامل معها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان