المتحف المصري الكبير .. والسوار الفرعوني المسروق!

من داخل المتحف المصري (غيتي)

أسابيع قليلة ويتم الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير (مطلع نوفمبر المقبل)، ومنذ أيام قليلة (9 سبتمبر الجاري) تمت سرقة سوار ذهبي فرعوني يعود عمره إلى 3300 عام.
وجرى قيد الجريمة تحت عنوان السرقة، ووفق التحقيقات فإنه تم بيع السوار من شخص لآخر، وانتهت رحلته بصهره في ورشة للذهب مع مشغولات أخرى، وبذلك يكون قد خرج من التاريخ، وصار هذا الأثر النادر أثرًا بعد عين.

على مواقع التواصل الاجتماعي طوفان من التعليقات بشأن السوار، وفيها ما يتضمن التشكيك في رواية سرقة إخصائية ترميم بالمتحف المصري الكائن بميدان التحرير، للسوار عن طريق المُغافلة، حيث التقطته وخبأته بينما الخزينة الحديدية التي يُحفظ فيها مع قطع أخرى كانت مفتوحة أمامها لتضع فيها قطعة تم مراجعة بياناتها في إطار التجهيز لمعرض باسم «كنوز فرعونية» سيُقام في إيطاليا من 24 أكتوبر المقبل حتى 3 مايو 2026.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

من أسف أن تُواجه الرواية الرسمية بقليل أو كثير من الشكوك في مصداقيتها حتى لو كان التشكيك قائمًا على قراءات أو استنتاجات متعسفة لما حصل، أو مستندًا إلى فقدان ثقة في بيانات الأجهزة. وهذه مشكلة ليست هينة أو طارئة، ويجب انتباه السلطة لها، ذلك أنها تتكرر مع أحداث ووقائع مختلفة، ويبدو أن جدار الثقة يتآكل بدل أن يكون سميكًا وقويًا.

غياب الإعلام المستقل

سنفترض جدلًا أن هناك تصريحات وروايات رسمية في أحداث مختلفة فيها التفاف وغياب للشفافية للحفاظ على صورة جيدة للحكومة بأنها لا تخطئ، وأن هناك تربصًا بها، أو ترصدًا لها، أو طابورًا خامسًا مزعومًا يُشوش عليها. هنا وجود الإعلام المستقل والمعارض، الذي يخضع للمسؤولية المهنية والأخلاقية والقانونية في عمله، سيكون ضروريًا في الفرز بين الحقيقة والتضليل، والصدق والكذب، والواقعية والمبالغة في مختلف الأحداث والقضايا المثارة.

وهذا الإعلام سيكون مفيدًا أكثر للسلطة، لأنه في واقعة مثل السوار، سيتحرك ويجتهد في عمله لمحاولة الوصول إلى الحقيقة، والتي قد تكون أن أخصائية الترميم التي تمر بأزمات مرضية ومعيشية، كما نُسب إليها في التحقيقات، سرقت السوار بالفعل، وأنها أعطته لصاحب محل بيع مشغولات فضية مجاور لسكنها بالفعل، وأنه باعه لصاحب محل ذهب في حي الصاغة بالأزهر بالفعل، والذي بدوره باعه لورشة صهر مشغولات ذهبية بالفعل، لتكون النار قد أذابت تاريخًا وأثرًا نادرًا يستحيل استعادته أو صناعة بديل له.

الشفافية، ووسائل الرقابة الشعبية، ومنها الإعلام، بجانب سلطات الرقابة الرسمية: البرلمانات والأجهزة ذات الصلة، وغيرها من وسائل وأدوات الرقابة والمحاسبة، لم تنشأ عبثًا، بل لتطبيق القانون، وفرض الانضباط والنظام العام، وحفظ الحقوق، وإقامة العدالة، وصيانة سمعة سلطات الحكم، وحماية الشعوب والأوطان.

السرقة والجشع والجهل

مصر تمتلك مخزونًا أثريًا هائلًا يُقال إنه الأكبر في العالم، وإنه الأهم قيمة وحضارة وتاريخًا وثقافة وتراثًا إنسانيًا. فكيف تكون سرقة قطعة منه أمرًا يسيرًا لموظفة مُؤتمنة على هذه الثروة العظيمة، ثم يتم تداول القطعة المذهلة من صائغ إلى آخر، وفي النهاية يتم رميها في النار لصناعة خاتم أو قرط منها يوجد ألوف القطع مثلهما وبأشكال مختلفة متداولة بين النساء، وقيمتها الآنية في ثمنها فقط؟

ومن خبيرة الترميم إلى المتهم الرابع، وهم إخصائيون في صناعة الفضة والذهب، كيف وافقتهم عقولهم وطاوعتهم قلوبهم على المشاركة الجماعية في الجريمة؟

وحتما كلهم يعلمون أن هذا ليس سوارًا عاديًا، وليس قديمًا عمره مائة عام مثلًا. فهم جميعًا متخصصون وفاهمون وواعون بالذهب ونمط تصنيعه وقيمة كل قطعة منه تقع في أيديهم.

بالطبع موظفة الآثار أكثرهم معرفة بقيمة السوار، والرجال الثلاثة الذين تلقفوا القطعة منها لابد أنهم يعلمون أن السوار ذا قيمة تاريخية عظيمة، وأنه لم يمر عليهم قطعة مثله منذ اشتغالهم في هذا المجال.

لكنه الجشع والطمع والجهل والتخلف والأنانية المفرطة. وهذه صفات مؤلمة تسود كثيرًا بين الناس الآن. وفي شأن الآثار والتنقيب عنها وسرقتها، هناك انتهاكات وجرائم تُرتكب من أناس لا يعنيهم غير مصالحهم الشخصية وانتهازيتهم فقط، أما التاريخ والتراث والشواهد الحضارية والأثرية فهذا كلام كتب وحصص بالمدارس ومحاضرات في الجامعة وبرامج مثقفين في التلفزيون.

إنه الجهل المدمر الذي يُخرب البلدان، ويُدمرها، ويُسقطها أكثر وأشد مما يمكن أن يفعله الأعداء المعروفون بالآلة العسكرية.

مسؤولية الحكومة

والحكومة شريكة في فقدان السوار، فهي مسؤولة قبل الموظفة وشركائها عما حصل. فالحادثة تكشف مجددًا عن الإهمال والتسيب واللامبالاة في عدم تأمين غرفة الترميم بكاميرات المراقبة، وغياب الوجود الأمني الفعال، وعدم وجود أجهزة إنذار حديثة تستكشف لمسافات أي قطعة أثرية مدسوسة في حقيبة أو داخل الملابس.

واليوم هناك وسائل تأمين متطورة جدًا تجعل من المستحيل تهريب أو إخفاء أي أثر. وإذا كانت المتاجر تؤمن نفسها وبضائعها بالتكنولوجيا الحديثة، فلا يجرؤ أحد على إخفاء شيء، ولو حصل وفعلها تكون فضيحة وجريمة، فكيف لا يحدث ذلك في المتحف المصري، وهو الأقدم في العالم؟

وهنا السؤال: هل تم التأمين الكامل للمتحف المصري الكبير الذي يضم كل ثروة مصر من الآثار الفرعونية؟ وماذا عن متحف الحضارة بمنطقة الفسطاط؟ وماذا عن كل المتاحف التي تحتضن تاريخ البلاد خلال حقبها وعصورها المختلفة؟

وماذا عن مخازن آثار ربما لا تكون مُؤمّنة بما يكفي، ومناطق تنقيب ربما تكون مُستباحة، وسرقات للآثار، وعشرات الأسئلة المؤلمة بشأن مخاطر قد تكون آثار مصر معرّضة لها؟

وماذا عن المعارض الخارجية التي تستمر شهورًا طويلة؟ من يضمن الرقابة عليها والانضباط فيها، وعودة كل ما خرج دون نقصان، أو عدم تسرب قطع دون تسجيلها خلال سفر المعروضات؟

ومن أسف أن تتزامن حملة الترويج عالميًا عن افتتاح المتحف المصري الكبير مع جريمة السوار، وهي كارثة تشوش على الحملة والمتحف المنتظر طوال 23 عامًا، منذ وضع حجر الأساس له عام 2002، ومراحل تشييده، وحدث الافتتاح العالمي له بعد شهر من الآن.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان