الحمد لله كثيرا أن حدث هذا فلربما لو تم هذا الأمر لكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقرأ فيها سورة البقرة. ولكن لمشيئة الله استطعت ان أكمل قراءة سورة البقرة يوميا. يتبع

في أواخر عام 2014 تبدلت حياتي تماما.. انتقلنا أنا وزوجي وطفلي الوحيد صالح الذي لم يكمل العام بعد من أحب البلاد إلى قلبي إلى بلد لا يصاحبني فيه إلا الثلج. وبعد أن كان بيتي يطل على الخليج التركي وقبلة لكل الناس على اختلاف جنسياتهم وتوجهاتهم صار مسكننا عبارة عن غرفة وحيدة بلا مطبخ وبلا أصدقاء يملؤونها حماسة وبهجة وصخب. هذا التحول الكبير في حياتنا وما صاحبه من أحداث كان له تأثير على حالتنا النفسية والتي كانت تتدهور كل يوم من سيء إلى أسوء. كنا نشعر حالنا كبطارية الهاتف التالفة التي تشحنها فلا تصمد معك أكثر من خمس دقائق ثم تبدأ في “التهنيج”.
مر عام ولم يتغير شيء في حياتنا للأفضل. كل يوم أفتح البريد الوارد علني أجد القرار الذي سيغير جزءا من حياتي للأفضل ولا أجد جديدا. وزاد الأمر سوءا كوني حامل. فبخلاف الهرمونات التي تدمر الأنثى كنت أبكي كل يوم وأنا أحمل هم الولادة. فأنا هنا وحيدة بلا أهل أو أصدقاء ولا لغة وزوجي لن يتمكن من الحضور معي لأنه مضطر أن يجلس مع صالح لأننا لا نستطيع اصطحابه إلى المشفى وليس لدينا أحد يمكنه أن يعتني به. كان زوجي يحاول إخراجي من الغرفة وهو يقول: لقد استغرقت ولادة صالح 14 ساعة وأنت كنتِ تتحركين معظم الوقت؛ لا أعلم كيف سيأتي هذا الطفل وأنت جالسه هكذا طوال الوقت؟ فأبكي أكثر .. وزاد الأمر سوءا حتى دخلت في حالة خرس تام وكنت لا أتحدث حتى مع والدتي عبر الإنترنت.
حتى كان يوم في فبراير/ شباط 2015 عندما قرأت منشورا لإحداهن وهي تحكي عن فضل سورة البقرة وكيف أن مشكلتها قد حُلت بعد يومين فقط من قراءتها؛ وأن صديقتها التي أصابها السرطان قد شفيت منه تماما بفضل قراءة البقرة. فشعرت أنها رسالة ربانية لي حتى ألجأ إليه ولا أنتظر الفرج إلا من عنده. قلت في نفسي أنني يجب أن أقرأ سورة البقرة لمدة أسبوع على الأقل. فلست بالعابدة التي سيستجاب لها خلال يومين وبدأت بالفعل.
قراءة السورة كانت تستغرق 50 دقيقة على الأكثر. وكنت أجاهد نفسي أول عشر صفحات وبعدها أنخرط في القراءة بسهولة.
بدأت قراءة سورة البقرة لأفاجأ في اليوم التالي بشخص غزاوي كنا قد تعرفنا عليه سابقا يتصل بزوجي ويخبره أن هناك منزل جميل ولكن يجب أن ندفع مبلغا من المال للمستأجر الحالي حتى يترك لنا المنزل دون غيرنا. كنا نعلم أن هذا المبلغ ليس قانونيا بل وكنا نشعر بحرمة شرعية في هذا الأمر ولكن زوجي وافق فورا حتى يُخرجنا من هذه الغرفة بأي شكل.
في مساء نفس اليوم شاركت في حوار في إحدى المجموعات وهذا ما يحدث نادرا؛ وحكيت لهم عن ظروفي وعن مخاوفي من الولادة بمفردي. فأرسلت “منة” صديقتي الجميلة لزوجي تخبره أن والدها يمكنه مساعدة أختي في مصر من استخراج فيزا لتأتي وقت الولادة إلى جواري.
“بركاتك يا الله” .. هذا ما كان يدور في ذهني.. يا الله لم يمضي يوم واحد على قراءة البقرة ويأتي هذان الخبران ليرسما البسمة أخيرا على وجهي البائس.. ولكن..
لم يتم أي من الأمرين. فالشخص الغزاوي اتضح أنه محتال وأخذ يراوغنا ويخترع حججا كثيرة. وعلى الرغم من أننا أخبرناه أننا جمعنا كل الأشياء وحزمنا حقائبنا وكنا في انتظار الانتقال إلا أنه كان يخبرنا أنه تبقى القليل وستنتقلون غدا ثم يقول الأسبوع القادم ثم يومان وهكذا لمدة شهرين سامحه الله.
ووالد صديقتي ساعد أختي في استخراج الفيزا ولكن لم يتم الأمر لعدة أسباب خارجة عن الإرادة ومن أهمها أنها مصرية.
الحمد لله كثيرا أن حدث هذا فلربما لو تم هذا الأمر لكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقرأ فيها سورة البقرة. ولكن لمشيئة الله استطعت ان أكمل قراءة سورة البقرة يوميا وكلي أمل أن يأتي هذا البريد الذي ننتظره بفارغ الصبر.
الحمد لله كثيرا أن حدث هذا فلربما لو تم هذا الأمر لكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقرأ فيها سورة البقرة. ولكن لمشيئة الله استطعت ان أكمل قراءة سورة البقرة يوميا وكلي أمل أن يأتي هذا البريد الذي ننتظره بفارغ الصبر. مع الوقت لم أعد أنظر إلى البريد الوارد فقد فقدت الأمل ولكن استمررت في قراءتها لأنني شعرت بتحسن كبير في نفسيتي تلك الفترة حتى إن فكرة الموت لم تعد تسيطر على أفكاري.
ظللت على هذا الوضع شهرين ونصف الشهر.. أقرأ البقرة.. أبكي من اللا شيء.. أنام.. أبكي من الخوف من الولادة.
فتحت الحقائب مرة أخرى وقمت بتجهيز الحقيبة التي سأصطحبها معي إلى المشفى وجلست أنتظر قدري. وفي إحدى الليالي في تمام الساعة الثانية فجرا استيقظت على ألم خفيف. كنت متأكدة أن هذا ليس ألم المخاض فهو خفيف جدا وليس كما تصفه النساء. كما أنني عند ولادة صالح لم يأتني مخاض وأخذت وقتها تحريضا صناعيا. حاولت النوم مرة أخرى ولم أستطع. جلست أحسب الفترات بين الألم فوجدته يأتي كل خمس دقائق. فأيقظت عمرو على استحياء وسألته إن كان يجب عليّ الذهاب للمشفى أم الانتظار خصوصا أن المشفى يبعد عنا 50 دقيقة على الطريق السريع. فاتصل عمرو بالمشفى ووصف لهم الحالة وأخبروه أن نأتي.
وهنا جاءت اللحظة الحاسمة التي كنت أحمل همها منذ تسعة أشهر. كيف سأذهب في الليل بمفردي؟ كيف سأتفاهم مع الممرضات وأنا متألمة؟ كيف سأعتني بصغيري بمفردي هذه الفترة؟ .. فجأة أخبرت عمرو: ما رأيك أن نترك صالح عند جارتي (سورية ووضعت طفلتها قبل شهرين) وهو نائم لا يشعر بشيء وتقوم بتوصيلي على الأقل. وافق عمرو وحمل الطفل ثم انطلقنا إلى المشفى. وألهمني الله وقتها أن أقوم بتمرينات التنفس لتخفيف الآلام وكان لها أثر طيب كبير بفضل الله. ووصلنا في حدود الرابعة فجرا.
دخلنا إلى المشفى وسجلنا البيانات وقامت الممرضة بربط جهاز قياس قوة المخاض.. كل هذا وأنا متعلقة بيد عمرو خائفة أن يتركني في أية لحظة. أعطتني الممرضة قناع غاز الضحك لتخفيف الآلام حتى تأتي الدكتورة فكان عمرو يسحبه مني كل فترة حتى يقوم بتجربته هو الآخر. لا ضير فهو أيضا كان يتألم من ضغطات يدي عليه.
جاءت الطبيبة لتخبرني أني سأضع المولود خلال دقائق فلم أصدق نفسي. وفي تمام الساعة 5:45 دقيقة شرّف “أحمد” الدنيا ليضع نهاية سعيدة لهذا الفيلم السخيف الذي عشت فيه تسعة أشهر. كان الذي يسيطر عليّ وقتها الاندهاش. ليس غريبا فالكريم إذا أعطى أدهش. شكرا يا رب على هذه الولادة القياسية. شكرا يا رب إن عمرو كان بجواري. شكرا يا رب إني وضعت قبل أن يستيقظ صالح. شكرا يا رب.
وقتها فقط ولأول مرة أشعر بفضل سورة البقرة. كنت أقرؤها لغرض في نفسي ولم يتحقق. بل تحقق ما هو أفضل وأنفع لي. والحمد لله داومت على قراءتها يوميا حتى في رمضان كنت أقرؤها أولا ثم أقرأ الورد اليومي. ومع شهر رمضان الفضيل بدأت بالدعاء بعد قراءة السورة ووفقني الله إلى قيام الليل بسورة البقرة والدعاء بعدها. وفي ليلة 27 رمضان فوجئنا بالبريد الذي كنا ننتظره منذ أكثر من عام ونصف العام.
اليوم أكون قد أتممت عشرة أشهر على قراءتها. قد يبدو ظاهريا أن جميع الدعوات لم تَستجاب لكن أصبح عندي سلام نفسي وشعور غريب بالرضا والثبات رغم قسوة الظروف. أشعر أن الله يعطيني الطاقة اللازمة حتى أتحمل جنون صالح وبكاء أحمد. أصبحت مقتنعة أن الله سيرسل لي الأفضل دائما ولكن في التوقيت الصحيح.
كثيراً ما كان يقول ابن القيم رحمه الله: إن العين والحسد كالكُتلة في جسد المحسود لا يُزيلها ويمحوها ويجلوها كتكرار سورة البقرة. أسأل الله أن يرزق الجميع فضلها وأن لا يحرمنا من أجرها.
مدونة مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
