ما الذي تريده الأقليات في سوريا؟.. عندما يكذب البطريرك

عندما دخل “الرئيس الشرع” حلب فاتحًا وقف العالم على قدم واحدة، ثمة هجمة مرتدة جعلت الجمهور يقف مشدوهاً، وانطلق معظم المحللين الاستراتيجيين في القنوات الإعلامية يؤكدون عدم قدرته على تجاوز خط المنتصف، لكنّه خطف الكرة وانطلق بها منفردًا، ليسكنها بكلّ هدوء في المرمى الدمشقي في شباك قصر الشعب.
كان الجمهور ما يزال يعيش الصدمة، كيف؟ ومن فتح له الطريق؟ تَنزَّلت الفرحة في قلوب الأكثرية كأنّها هبة من الله، خاصة وأنّ الأمر تمّ بأقل الخسائر البشرية الممكنة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وعندما استيقظ الجمهور من صدمته، بدأت الأصوات تتعالى في غرب البلاد وشرقها وجنوبها، “التقسيم قادم” قال الاستراتيجيون. “سيحولها إلى أفغانستان”. قالها العلمانيون. “نريدها مركزية فيدرالية” قالها القسديون، والشيخ حكمت. “ماهر راجع” قالها العلويون.
الشرع والدولة المدنية
ومع تقدم خطاب الشرع ببناء دولة مدنية حديثة، ومع حرصه على حرمة الدم، ومحاولاته الحثيثة لترسيخ شكل جديد للدولة، بدأت علامات الرفض تتنامى لدى الأقليات، ولدى المتضررين من هذا التحرير، وباتت آليات الرفض تلبس لبوس حق يُبطن باطلاً. إذ لم يستطع فلول النظام احتمال فكرة خسارتهم لمكتسباتهم، حتّى إنّهم لم يستطيعوا تخيّل أن يحكمهم رجلٌ من الأكثرية، فكيف برجل قادم من فكر مُصنَّف عالميًا بالإرهاب! ولم يستطع الكثير من رجالات اليسار استيعاب فكرة أن يتغير الإنسان، ويراجع أفكاره السابقة، حتى وإن صرح بذلك مسؤولون أمريكيون. ولعل المتتبع والمتابع للأحداث يكتشف بسهولة، كيف أنّ هذا الرجل قد تجاوز الكثير من طروحاتهم التي قرؤوها في الكتب، وزاد الأمر شدّة على قلوبهم، أنّه همّش كلّ المعارضين السابقين من جماعة الائتلاف، بالإضافة إلى بقية الشخصيات التي كانت تطمح بمناصب خاصة، متناسين القاعدة الثورية التي يؤمن بها كلّ ثوار العالم، والتي تنص على ضرورة إسقاط المعارضة التقليدية مع إسقاط النظام؛ كي يولد نظام جديد بفلسفة جديدة، وكي لا تعيد المعارضة التقليدية إنتاج النظام ذاته.
محاولة لجعل سوريا دولة موحدة
استطاع الشرع تحييد فلول النظام في الساحل، وكان لا بدّ من وقوع خسائر بشرية حاولوا استثمارها لصنع مظلومية تستدرُّ عطف المجتمع الدولي، لكنّها باءت بالفشل. ومايزال يحاول جمع الأسلحة المُخبَّأة في قرى كثيرة. ويستطيع أيّ متابع اليوم أن يرى نهايات تلك الحركة الانقلابية، وكذلك نستطيع القول إنّ مشكلة قسد تسير إلى نهايتها وكذلك مشكلة المجلس العسكري في السويداء، فالضوء الأخضر الأوربي، والعربي، والأمريكي ينير طريق الحكومة لتوحيد سوريا، وبات التقسيم في خبر كان.
كارهو الشرع
احتاج كارهو الشرع لستة أشهر كانت فيها أحلامهم بالتقسيم أشبه بالحقيقة في أذهانهم، إلى أنّ قرّر الرئيس ترامب رفع العقوبات، فابتلع الكارهون غيظهم، وبدؤوا مرحلة جديدة في محاولةٍ لكسب أكبر قدر ممكن من كعكة السلطة، وفي القريب العاجل سيرفرف العلم الأخضر فوق كلّ شبر من سوريا، لتبدأ معركة الدولة مع الفقر.
لماذا هذه الكراهية؟ ببساطة شديدة يمكن القول إن خسارة المكتسبات تأتي في أولوية الأسباب، فقسد المحكومة بحزب العمال الكردستاني الذي تسلم مواقع الجيش السوري في الجزيرة بكلّ آلياته بأمرٍ من بشار سنة 2012، وعاث فسادًا بالكرد والعرب على السواء، وتاجر بأرزاق الناس قبل أن يتاجر بالنفط، هذا الحزب مُني بخسارة فادحة. وكذلك فلول الأسد، بعد أن كانت البلد تحت سطوتهم وجدوا أنفسهم بلا أسد، وهو ما حصل مع حكمت الهجري الذي آوى كبار مجرمي الأسد، وكبار تجار الكبتاغون، وظنّ أن إسرائيل وإيران سيمدانه بأسباب القوة، لكنه وجد نفسه اليوم محاصرًا، ومهمشًا، فلكلّ منهم أسبابه في الكراهية.
مخطط جديد
ومع بدء الانسحابات الأمريكية من الشمال السوري، وإصرار أمريكا وتركيا والحكومة السورية على تنفيذ الاتفاق الموقع بين قسد والحكومة، بدأ تنظيم قسد يشعر بالخوف الشديد من أن يفقد مكتسباته، وهو الذي يرتكز في شرعيته على محاربة داعش، فأعلن أن داعش تعيد ترتيب نفسها، وتتهيأ لتنفيذ ضربات موجعة في المدن السورية وخاصة دمشق. لم يمض الكثير من الوقت على هذا التصريح حتى حدث التفجير الإجرامي في كنيسة مار الياس في الدويلعة، وذهب ضحيته عشرات السوريين بين قتيل وجريح، بعد يومين فقط استطاعت الحكومة السورية القبض على الخلية المنفذة، وأعلنت أن اثنين منها كانا من المحتجزين في مخيم الهول الذي تسيطر عليه قسد.
بعد التفجير ألقى البطريرك يوحنا اليازجي كلمته التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي لما فيها من أكاذيب واضحة، وعبارات طائفية، ولغة استعلائية، فقد ادّعى أنّ هذا التفجير هو الأول من نوعه منذ سنة 1860 متناسيًا أربعين كنيسة مهدمة كلياً أو جزئياً بفعل القصف الأسدي، وموثقة بالاسم، وبحكم علاقته الوطيدة مع بشار الأسد ومجرمي الدفاع الوطني خلال سنوات الثورة، فقد صبَّ جام غضبه وانفعالاته على الحكومة، وعلى الأكثرية السنية متناغماً مع الكثير من الأصوات الأقلوية من الطوائف الأخرى. ومحملاً الحكومة المسؤولية الكاملة.
لقد بات واضحاً جداً لكلّ متتبع حصيف أنّ المشكلة في سوريا مشكلة سياسية مؤسسة على رفض فطري لدى الكثير من الأبواق الطائفية لحكم السنّة. ربّما ساهم في ترسيخها خلال السنوات السابقة تصريح لوزير خارجية روسيا الذي قالها صراحة وأكثر من مرة، بأنّ روسيا ترفض أن يحكم السنة سوريا، فكيف والحكومة انطلقت من إدلب المحافظة التي وُصمت بالتخلف، والجهل، وبشكل مبرمج خلال حكم الأسدين، حتى بات الأمر مسلمًا به على المستوى الشعبي في كثير من المحافظات السورية. تماشياً مع الرعب المخابراتي خلال خمسة وخمسين عامًا.
