مفكر قبطي يدافع عن محمد في حياته الخاصة

الجانب الشخصي في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو أكثر الجوانب التي نالت اهتماما من المستشرقين، وكارهي الإسلام ونبيه، من حيث الهجوم عليه، والنيل منه في هذا الجانب، وتحديدا زواجه، وعدد الزوجات التي كانت لديه، فلم تكن هذه المساحة موضع تنقص أو هجوم في القرون الأولى للإسلام، لكن في القرون الأخيرة بدأت تثار من الغربيين، ومن غيرهم ممن يبحثون عن شبه تثار حول الموضوع، وقد كتب الكثيرون من علماء الإسلام ومفكريه، حول الموضوع، ودافعوا دفاعا قويا، فقد كان دفاعا صادرا من مؤمنين بهذا النبي الكريم، يتقربون به إلى الله، وإن كان دفاعا علميا منهجيا، لا محاباة فيه، ولا مجاملة.

لكن حينما يكون الدفاع عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، في هذه المساحة صادرا من غير مسلم، يكون لهذه الطرح والدفاع مكانة ومذاق خاص، فهي نظرة شخص خارج دائرة الإسلام، فهو ينظر للموضوع لا بعين المحب ككتابات المؤمنين، وهي عين مبصرة لا عن تقليد، لكن عين غير المسلم في هذا الوضع تكون نظرة شخص لا يتهم بالحب، ولذا يضم لنظرته المنصفة في الموضوع، أدلة تساق في الأمر، لا يراها المسلم، لأنه قد يراها تصرفا عابرا وعاديا، بينما يراها غيره دلالة واضحة على مبدأ وقيمة لا ينتبه إليها المسلم.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

من هؤلاء: الدكتور نظمي لوقا، وهو مفكر مسيحي مصري، بعد دراسته المستفيضة للإسلام، كتب موسوعة من عدة كتب، عنون لها بـ”الموسوعة الإسلامية الكبرى”، وقد أصدر منها عدة كتب، كان أهمها وأشهرها: “محمد.. الرسالة والرسول”، الذي دلل فيه على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بأدلة غير مسبوقة، وانتقل إلى جانب آخر وهو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب كتابين في الموضوع، يختلفان في بعض صفحات فقط، الأول بعنوان: “وامحمداه… تحقيق وإنصاف”، والثاني بعنوان: “محمد في حياته الخاصة”.

نسف لتهمة الشهوانية

من أهم ما قام به نظمي لوقا في كتابه، أنه بدأ أولا بنسف ما يتهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الشهوانية، وارتكاز المتهمين على ذريعة تعدد زوجاته، فضرب لوقا مثالا مهما في حياة الناس وواقعهم، بالنظر إلى موائد الناس، فهل تنوع الأطعمة على مائدة شخص ما، يدل على أنه شره للطعام، وعلى وجود صنف واحد على مائدة آخر دلالة على الزهد فيه؟ أم أن الأمر هنا لا يتعلق بما يوجد على الموائد، بل يتعلق بالنفوس وتعلقها، ورغبتها، ونيلها من كل ما يأتيها، والإكثار منه، فقد يكون صاحب المائدة المتنوعة لا ينال من طعامه إلا القليل، ويستوي عنده وجود هذه الأطعمة من عدمها، سواء كانت قليلة أم كثيرة، وقد نجد صاحب المائدة الواحدة والطعام الواحد شرها نهما، يعب منهما، ولا يكفيه ما لديه، بل دائما عينه متطلعة لمزيد من حل ومن حرم.

فالعبرة بالعلاقة بالآكل والمأكول، سواء حضر ذلك المأكول أو غاب، وسواء أقبل عليه الآكل إقبالا فعليا، أو أحجم عنه لسبب من الأسباب، فلو أن مريضا منع عنه الطبيب الطعام، فهل نعد ذلك الامتناع آية على عفة أو انصراف نفس عن الطعام؟!

وكذلك صاحب الزوجات المتعددة، قد لا يكون شهوانا، لأن المعول على ما يكون في نفسه من نوع الصلة والارتباط بهن، فقد لا يكون الرابط الشهوة واللذة، بل يقوم ارتباطه بهن على الأواصر الإنسانية السامية من مودة ورحمة وبر ورعاية وحدب وتكريم للشخصية الآدمية في المرأة، فالرجل ليس بشهواني لعدم ابتناء صلته بالمرأة على اللذة البهيمية، بصرف النظر عن عدد من في عصمته من النساء.

تحليل نفسي واجتماعي لتعدد زوجات النبي

كانت هذه المقدمة المهمة من نظمي لوقا للنظر لعلاقة الرجل بالمرأة، والمعيار الذي يحتكم إليه في موضوع التعدد، مهمة في الطرح، وهو في كل فصول الكتاب، وفي كل حالات زواجه صلى الله عليه وسلم، يمسك بكل حالة، وبكل قضية، فيضع لها عنوانا مناسبا، وحالة تتواءم تماما مع الواقع، ومع مروءة وأخلاق النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، فقد ظل طوال سنواته في مكة، لم يتزوج سوى خديجة رضي الله عنها، وقد كان في عنفوان شبابه، ولم يتزوج بعدها سوى السيدة سودة بنت زمعة، وقد كانت صاحبة محنة وكبيرة في السن تقترب من سن خديجة، أي: أنه ظل في كل سنوات مكة، وهي سنوات زهرة العمر والشباب، لم يتزوج إلا واحدة، وكان زواجه بسودة من أهم أبوابه: النخوة، وهو نفس الموقف في زواجه من حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

أما جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، فقد كانت أسيرة بعد هزيمة قومها، وهي بنت سيد قومها، وكانت في نصيب ثابت بن قيس، وقد كاتبته لتعتق، فعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم عرضا بقوله: فهل لك خير من ذلك؟ أقضي عنك كتابتك وأتزوجك، أي: يدفع فديتها إلى قيس بن ثابت فتصير حرة، ويتزوجها.

يعلق نظمي لوقا على ذلك بقوله: لفتة بارعة عبقرية تجمع بين نبل الفروسية، والإلهام السديد، فهو لا يرفع عنها ذل الرق والأسر فحسب، بل ويرد إليها عزتها أعز مما كانت قبل السبي، يرفعها من الأسر إلى مقام زوجة القائد المظفر، ويرفعها من الكفر إلى مقام أم المؤمنين… ويجعل بينه وبين قومها المهزومين نسبا وصهرا فيغسل الثأر، ويحول الهزيمة والعداء إلى ألفة وولاء.

وكان طبيعيا أن تقبل الأسيرة ذلك الشرف الذي فتح لها الرسول أبوابه، ألم تقف ببابه سائلة مستجدية، فأتاح لها أن تدخل من ذلك الباب سيدة عزيزة مستعلية؟ وقد أسلم قومها بعد أن علم المسلمون بزواج نبيهم صلى الله عليه وسلم بها، فأعتقوهم، فأسلموا.

فأين هذه الكياسة المهلمة من الشهوة المزعومة؟ لقد كان بيده أن يجعلها من نصيبه من السبايا. وكان بيده وقد راقته أن يجعلها في ملك يمينه بشرائها من قيس بن ثابت.. ولكن المسألة كانت أكبر وأجل من فتاة راقت رجلا فتمناها، لأن المسألة كانت مسألة فتح مبين، وتآلف قلوب، وانتشار دين.. ثم هي فضلا عن هذا مسألة نخوة لا نزوة.

ردود على علماء مسلمين في قصة زينب

لم يقف نظمي لوقا في كتابه عند نقاش غير المسلمين فيما يعرضونه من سيرة  النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الخاصة، والرد عليهم بردود علمية قوية، بل الأعجب في كتابه أنه راح يناقش علماء مسلمين، في روايات وردت في كتبهم، لم ترق له، لأنها ناقشت الأمر بسطحية وظاهرية، فراح يناقش الزمخشري في تفسيره، والطبري في تاريخه، في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، فراح يحلل الأمر تحليلا نفسيا واجتماعيا، بعيدا عن روايات لا تستقيم وردت في كتب التراث، وجعل القرآن الكريم في سورة الأحزاب، حين عرض للقصة، هو المرتكز الأساس له، مع تحليل لنفسية زينب والمجتمع، وما أفضى إليه من الطلاق من زيد رضي الله عنه، وعلاج ذلك نفسيا واجتماعيا بزواج النبي صلى الله عليه وسلم منها.

محاكمة لمنطق التناقض

ثم ختم لوقا كتابه بصفحة واحدة، كانت أشبه بمحاكمة لمنطق التناقض الذي يتبناه خصوم محمد صلى الله عليه وسلم وكارهوه، فقال: وليذكر الذاكرون أن التاريخ كم وعى من رجالات وأصحاب رسالات كانت لهم الزوجات الكثيرات، بالعشرات والمئات. وكانت لهم السراري بغير عدد. ولم يقدح ذلك فيما لهم من فضل ظاهر، ولا فيما لدعواتهم من أثر في العقول والسرائر.

وهل نسي الناس داود، وسليمان، وغير داود وسليمان؟

فكيف لا يحسب هذا التعدد اليسير إلا على محمد بن عبد الله دون سواه؟

ألا ترى أن الميزان المستقيم لا يكيل بكيلين، ولا يحرم على زيد ما يرى أضعافه غير حرام على عمرو؟

ومن يظلم إنما نفسه يظلم، ومن يجور في الحكم إنما يضير تفكيره وضميره. وسلام على الصادقين.

من الصعب أن نأتي بما خطه يراع نظمي لوقا في كل حالات زواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولكني اقتبست بعض ردوده على بعض الحالات، بما تتسع له مساحة المقال، وإلا ففي التفصيل والإسهاب مجال لسوق نماذج أخرى لا تقل وضاءة ونصوعا مما نقلناه، لكني ذكرت هنا نماذج فقط، لا تغني عن العودة للكتاب كله، ولم يكن الهدف هو نقل كلام لمسيحي دافع عن محمد صلى الله عليه وسلم في حياته الخاصة، بقدر ما هو إعلاء لقيمة البحث العلمي النزيه، والإنصاف المجرد، رغم أن الرجل لاقى عنتا وإيذاء في حياته، بسبب كتاباته المنصفة عن الإسلام ونبيه، بلغا حدّ اتهامه بالبحث عن المال والشهرة، ونيل فرصة عمل لدى كليات إسلامية، كدار العلوم، لكن ذلك لم يصرفه عن إكمال مشروعه، وهو مثال نادر في عالمنا، وفي مجال البحث الديني المنصف العاقل.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان